بوابة الشروق, فن 4 أبريل، 2026

في لحظة تبدو فيها العودة أقرب إلى المغامرة منها إلى الاختيار، قرر المخرج الإيراني جعفر بناهي أن يعود إلى بلاده، رغم ما يواجهه من أحكام قضائية وقيود سياسية. عودة ليست عادية بأي معيار، بل تحمل في طياتها دلالات تتجاوز شخصه كفنان، لتلامس علاقة السينما بالسلطة، ودور المثقف في أزمنة التوتر.
عاد بناهي إلى إيران برًا عبر تركيا، بعد جولة دولية ناجحة رافقت فيلمه “كان مجرد حادث” (2025)، الذي تُوّج بالسعفة الذهبية في مهرجان كان السينمائي، ورُشّح لاحقًا لجوائز الأوسكار. في الخارج، كان صوته مسموعًا ومحتفى به، وفي الداخل، تنتظره قيود قد تصل إلى السجن. وبين هذا وذاك، تتجلى المفارقة التي لطالما طبعت مسيرته: مخرج عالمي في مواجهة واقع محلي ضيق.

لكن ما الذي تعنيه هذه العودة حقًا؟

أولًا، هي استعادة لمعنى “المكان” في تجربة بناهي. فمنذ سنوات، لم يكن المخرج يصنع أفلامه من موقع آمن، بل من داخل قيود فعلية، حوّلها إلى أدوات جمالية. في أفلامه، كان الحصار جزءًا من اللغة، والمنع محفزًا للابتكار. وبالتالي، فإن العودة ليست فقط إلى الجغرافيا، بل إلى شروط الإبداع نفسها التي صنعت صوته السينمائي الفريد.
ثانيًا، تحمل العودة بُعدًا أخلاقيًا واضحًا. بناهي لم يُفاجئ أحدًا بقراره؛ فقد أعلن مسبقًا أنه سيعود بعد انتهاء حملته للأوسكار، رغم إدراكه للمخاطر. هنا، لا تبدو العودة فعل تحدٍ بقدر ما هي التزام بموقف: أن الفنان لا يمكن أن يبقى خارج سياق بلاده وهو ينتقده. وكأن بناهي يرفض أن يكون شاهدًا من بعيد، مفضلًا أن يكون جزءًا من المشهد، حتى لو دفع ثمن ذلك.
ثالثًا، تطرح العودة سؤالًا عن جدوى التضامن الدولي. فقد دعا بناهي مرارًا مجتمع السينما العالمي وهوليوود إلى اتخاذ موقف تجاه ما يحدث في إيران. لكن عودته تضع هذا التضامن على المحك: هل يمكن للجوائز والاحتفاء الدولي أن توفر حماية حقيقية؟ أم أنها تظل رمزية، بينما يواجه الفنان مصيره منفردًا داخل بلده؟
في سياق أوسع، تعكس هذه العودة طبيعة العلاقة المعقدة بين الفن والسلطة في إيران. فبناهي ليس مجرد مخرج معارض، بل هو جزء من تقليد سينمائي طويل استخدم الكاميرا كأداة مقاومة ناعمة. ومن هنا، فإن عودته تُقرأ أيضًا كاستمرار لهذا التقليد، حيث لا يكون الصدام مباشرًا، بل عبر الحكايات، والشخصيات، والتفاصيل اليومية التي تكشف ما لا يُقال صراحة.
وربما الأهم من كل ذلك، أن هذه العودة تعيد تعريف معنى “النجاح” في السينما. فبينما يقيس العالم النجاح بالجوائز والانتشار، يقدّم بناهي نموذجًا مختلفًا: النجاح كقدرة على البقاء وفيًّا للصوت الشخصي، حتى في أصعب الظروف. أن تعود وأنت تعلم ما ينتظرك، قد يكون، في حد ذاته، أعظم من أي جائزة.
في النهاية، لا يمكن قراءة عودة جعفر بناهي بمعزل عن اللحظة السياسية والثقافية التي تمر بها إيران. لكنها أيضًا لحظة إنسانية خالصة، تختصر صراع الفنان بين الأمان والصدق، بين الخارج الواسع والداخل الضيق. وفي هذا التوتر، تحديدًا، تولد السينما التي لا تُنسى.

زيارة مصدر الخبر