يستهل الكاتب المغربي، محمد سعيد احجيوج، كتابه الصادر حديثا في القاهرة عن دار العين للنشر بعنوان “البوليفونية الزائفة في الرواية العربية”.. محاولات في التفكير النقدي”، بمقدمة صادمة يذهب خلالها للدفاع عن النقد المتحيز، معتبرا أن “النقد فعل منحاز بطبيعته”.
الموضوعية المطلقة مجرد كذبة
وحول إذ ما كانت الموضوعية في النقد وهم منهجي، قال “احجيوج” في تصريحات خاصة لـ «الدستور»: الموضوعية المطلقة مجرد كذبة. لا أحد يقرأ، أو يسمع أو يتكلم، من فراغ. أنت تقرأ وتحت طبقات لاوعيك كل ما قرأته سابقا، بما أحببته وكرهته، وبما خذلك وأبهجك، وكذلك بمزاجك ذلك اليوم.وأوضح: أن تدّعي الموضوعية الكاملة معناه أن تدّعي أنك انفصلت عن كل هذا، وهذا ليس إلا خديعة. ما أؤمن به هو تمامًا عكس ذلك: أن تكون منحازًا وصادقًا. الانحياز أمر طبيعي تماما، ولا يجب أن ننظر إليه كنقيصة، لأننا كأفراد مختلفون تماما عن بعض، لكل منا خلفيته الثقافية والمعرفية، وصيرورة حياته. هي كلها عوامل تتداخل في اختياراتنا وتشكيلات وعينا وأحكامنا. أن نطالب بالموضوعية في النقد فإننا نقتل النقد من جذوره.في الكتاب أيضا يشير “احجيوج” إلي أن “الروائي الزائف”، ذلك الكاتب الذي يمارس فن الرواية، دون أن يفهم حقًا مسؤوليتها الجوهرية. وعن مفهمه للروائي الزائف تابع “احجيوج”: الروائي الزائف لا يكتب روايات سيئة لأنه لا يعرف تقنيات السرد، بل لأنه لا يمتلك ما يقوله، أو ربما لا يملك الجرأة ليقوله، لأنه لن يستفيد شيئا من جرأته. يكتب لأن الكتابة باتت تحمل قيمة اجتماعية ورمزية، لأن “روائي” صارت لقبًا يُفتح أمامه بعض الأبواب، وتسلط عليه الأضواء. وحين لا يكون لديك ما تقوله فعلًا، تملأ الفراغ بتقنيات مستعارة وموضوعات مضمونة وأسلوب مصقول لا يقول شيئًا.
الرواية صارت بطاقة دعوة إلى عالم من المؤتمرات والمهرجانات ومعارض الكتب وبرامج الفضائيات
وعن “ثقافة الميديوكر والروائي الزائف” وملامح هذه الظاهرة في المشهد الأدبي الراهن التي تطرق إليها كتابه قال “احجيوج”: “ملمحها الأول أنها تُنتج رواياتٍ أشبه بالمنتجات التجارية الخاضعة لاستطلاعات الرأي: موضوع آمن، شخصية بطولية يتعاطف معها القارئ بيسر، نهاية تترك أملًا دافئًا أو حزنًا محسوبًا. ملمحها الآخر: احتقار السؤال الجذري والمواجهة المباشرة مع كل ما يقلق. الروائي الزائف يتناول الحرية لكن دون أن يتحدى أي قيد فعلي، يتناول الجنس لكن في الحدود المسموح بها إعلاميًا، يتناول السياسة لكن عبر حقبة تاريخية آمنة لا تُغضب أحدًا حيًا. وملمحها الثالث، أن هذه الثقافة تُنتج قراءً مدمنين عليها، متعاطفين معها، لا يعرفون أنهم يستهلكون الرداءة، ويهاجمون كل من يهاجم الرداءة.وحول إذ ما أصبحت الكتابة الروائية وسيلة للوجاهة الاجتماعية أكثر من كونها ضرورة فنية أو معرفية، شدد “احجيوج” علي: نعم، وهذا هو أساس ظاهرة الروائي الزائف. لسبب ما، ربما هو الهالة الإعلامية التي تصاحب الجوائز الكبرى، صارت الرواية بطاقة دعوة إلى عالم من المؤتمرات والمهرجانات ومعارض الكتب وبرامج الفضائيات. هذه إشكالية كبيرة، وتحتاج جهدا ووقتا للتعمق فيها أكثر بالبحث والتحليل. هل هذه الأضواء الزائفة تكفي وحدها لتبرير هذا التحول؟ هل هو الاستسهال الذي يطبع عملية الكتابة في وعي الكثيرين؟ لا أعرف بعد.