اليوم السابع, ثقافة 6 أبريل، 2026

عام 1623، ومع انتخاب أوربان الثامن بابا للفاتيكان، بدأ فصل جديد في تاريخ الفن، فقد استدعى البابا النحات الشاب جيان لورينزو برنيني، ليضع بين يديه مهمة ستغيّر وجه روما إلى الأبد، ومنذ تلك اللحظة، نشأت واحدة من أكثر العلاقات إبداعًا بين فنان وراعيه، علاقة وثّقها معرض “Bernini e i Barberini” في قصر باربريني بروما، حيث تُعرض روائع الباروك التي صاغت ملامح المدينة الخالدة، وفقا لما نشره موقع” news.artnet”.

هل كان الباباوات من أبرز جامعى التحف الفنية فى التاريخ؟

كاتدرائية القديس بطرس في مدينة الفاتيكان

على مدى العقدين التاليين، حظي برنيني (1598-1680) بمسيرة مهنية باهرة في خدمة البابا أوربان، موسعًا نطاق عمله ليشمل الهندسة المعمارية والتصميم الحضري وبعد وفاة البابا، واصل إبداع روائع معمارية على الطراز الباروكي لباباوات آخرين في القرن السابع عشر، مُغيرًا بذلك وجه روما.

لا يزال زوار المدينة الخالدة يندهشون مما أنشأوه من  القصور الفخمة والساحات الأنيقة، والكنائس والكاتدرائيات الرائعة، والجسور والنافورات المزينة بالتماثيل، والمناظر الخلابة والكنائس الهادئة والساحرة، كانت روما مسرحاً عظيماً لعرض أعمال الباباوات الفنية.

هل يمكن اعتبار الباباوات أعظم رعاة الفنون عبر العصور؟

منذ عصر النهضة وحتى الباروك، لعبت المؤسسة البابوية دورًا محوريًا في تشكيل المشهد الفني الأوروبي، مظلة برنيني البرونزية الشاهقة في كاتدرائية القديس بطرس، التي صممها وهو في العشرينات من عمره بتكليف من البابا أوربان الثامن، لا تزال حتى اليوم محورًا بصريًا يدهش الزوار ويجسد قوة الرعاية البابوية للفنون.

img

النحات جيان لورينزو بيرنيني

 

هذا السؤال ظل حاضرًا بقوة بعد زيارة إلى روما، حيث يتجلى إرث الباباوات في كل زاوية من المدينة، فمعرض رافائيل الضخم في متحف المتروبوليتان للفنون، وما يثيره من حشود وإعجاب، يعيد إلى الأذهان كيف أن الباروك، بفخامته ومسرحيته، ما زال يترك أثرًا عميقًا.

قالت أندريا باتشي، إحدى القيّمات على معارض روما: “لقد كان الباباوات رعاة فنون عظماء، أنفقوا بسخاء على الدعاية المرئية، مما جعل روما المدينة الأكثر روعة في أوروبا.”

وإذا كان التاريخ يذكر أسماء مثل كاترين العظيمة في روسيا، ولويس الرابع عشر في فرنسا، وتشارلز الأول في إنجلترا كأبرز جامعي التحف، فإن سلسلة طويلة من الباباوات سبقتهم في توظيف الفن كأداة قوة وهيبة.

img

كنيسة سيستين

 

من كنيسة سيستين التي بناها البابا سيكستوس الرابع واستعان فيها ببوتيتشيلي وبيروجينو، إلى مشروع كاتدرائية القديس بطرس الذي أطلقه يوليوس الثاني وكلف فيه مايكل أنجلو ورافائيل، يتضح أن الفاتيكان لم يكن مجرد مركز ديني، بل مختبرًا لإبداع أعظم روائع الفن الغربي.

يمتلئ مصلى سيستين بحشد كثيف من الزوار، يقفون جنباً إلى جنب تحت سقف مايكل أنجلو المزخرف بلوحات جدارية ولوحة “الدينونة الأخيرة” على جدار المذبح، بينما يحيط الحراس والتفاصيل المعمارية بالداخلية المزخرفة بشكل غني على طراز عصر النهضة.

الباباوات بين رعاية الفنون وتكاليفها الباهظة

لم يكن دور الباباوات في تاريخ الفن الأوروبي مقتصرًا على الرعاية والإبداع، بل ارتبط أيضًا بالسلطة والسياسة والصراعات، فالبابا ليو العاشر، المنتمي إلى أسرة ميديشي، سرّع بناء كاتدرائية القديس بطرس وجعل رافائيل أول أمين للآثار في روما، مكلفًا بحماية الكنوز التاريخية.

وفي عام 1536، استدعى البابا بولس الثالث مايكل أنجلو ليبدع جداريته الشهيرة عن يوم القيامة في كنيسة سيستين، قبل أن يكلفه لاحقًا بوضع الخطة المعمارية للكاتدرائية نفسها.

img

مظلة برنيني، التي يبلغ ارتفاعها 100 قدم

 

لكن هذه الإنجازات الفنية ترافقت مع وجه آخر أكثر قسوة: الحروب، محاكم التفتيش، بل وحتى استخدام رخام الكولوسيوم ومعادن البانثيون في بناء الكاتدرائية وصناعة المدافع، هكذا ظل التاريخ حاضرًا في روما، يذكّر الزائرين بأن العظمة والجمال كثيرًا ما تداخلت مع القسوة والدمار.

الإنفاق الفني كان فلكيًا، مظلة برنيني الشهيرة في كاتدرائية القديس بطرس كلّفت نحو 200 ألف سكودي، في وقت لم يكن العامل الماهر يتقاضى أكثر من سكودي واحد يوميًا، هذا البذخ أثار غضب البابا إنوسنت العاشر، الذي أوقف صعود برنيني مؤقتًا ونفى عائلة باربيريني ومع ذلك، لم يستطع مقاومة عبقرية الفنان، فكلفه بإنجاز نافورة الأنهار الأربعة في ساحة نافونا، رمزًا لامتداد الكنيسة الكاثوليكية عبر القارات.

مشاريع برنيني لم تتوقف عند ذلك، فقد صمم ساحة القديس بطرس بين عامي 1656 و1667 لتستوعب مئة ألف شخص، أي ما يعادل سكان روما آنذاك، وجعل أعمدتها كأذرع تحتضن المؤمنين، وفي عهد كليمنت التاسع، أبدع عشرة تماثيل للملائكة على جسر سانت أنجلو، لتصبح إطارًا بصريًا للفاتيكان ما زال يثير الإعجاب حتى اليوم.

هكذا يتضح أن الباباوات لم يكونوا مجرد رعاة للفنون، بل صانعي مشهد حضاري متكامل، جمع بين الإبداع الفني والسلطة السياسية، وبين الجمال الفاتن والتكاليف الباهظة.

برنيني.. عبقرية صنعت ملامح روما الباروكية
 

في مطلع شبابه، بدأ جيان لورينزو برنيني أول مشروع ضخم له بتكليف من البابا أوربان الثامن، مظلة برونزية شاهقة بارتفاع 100 قدم لتكون محور كاتدرائية القديس بطرس.

ارتكز العمل على أربعة أعمدة حلزونية مهيبة، وتوج بصليب ذهبي، فيما زُيّن برموز النحل الخاصة بعائلة باربريني، ليجسد الفن هوية الراعي والسلطة التي تقف خلفه.

img

نافورة الأنهار الأربعة للفنان برنيني في ساحة نافونا بروما

 

يصف توماس كليمنت سالومون، مدير قصر باربريني، هذه المرحلة قائلاً: “لقد ابتكرا معًا أسلوب الباروك، وأصبح برنيني فنانًا عالميًا مثل مايكل أنجلو.”

أكد أن رعاية أوربان كانت حاسمة في نقل برنيني من النحت إلى العمارة والتخطيط الحضري، ليصبح أحد أبرز مبدعي القرن السابع عشر.

المعارض الفنية في روما تواصل كشف جوانب هذه الحقبة

فقد أعلن قصر باربريني مؤخرًا عن اقتناء لوحة نادرة لكارافاجيو تصور مافيو باربريني، البابا المستقبلي، مقابل 35 مليون دولار، لتنضم إلى مجموعة أعماله المعروضة للجمهور لأول مرة منذ عقود.

أما أعمال برنيني المبكرة، مثل تمثال القديس سيباستيان وتماثيل أبولو ودافني وداود، فلا تزال تبهر الزوار في جاليريا بورجيزي، حيث تجسد لحظات إنسانية عابرة بأسلوب درامي فريد.

img

جيان لورينزو بيرنيني وأبولو ودافني في جاليريا بورجيزي

من خلال رعاية أوربان الثامن، تحولت موهبة برنيني إلى قوة معمارية وفنية أعادت تعريف وجه روما، لتصبح المدينة مسرحًا مفتوحًا لأعماله التي ما زالت تدهش العالم حتى اليوم.

 

زيارة مصدر الخبر