“الفنون جنون”.. هذه العبارة الشهيرة التي يتناولها الكثيرون، والتي تعبر عن اعتقاد، ربما يكون شعبيا بأن من يمارس الفن بشكل عام هم مجانين، وذلك لأن الفن في ذاته ضرب من الجنون، أو هكذا يعتقدون، إلا أن الأدب جزء من الفنون، وربما هو الأكثر ارتباطا بفكرة الجنون؛ فأشباح الكتابة تدفع الكثير من الناس للاعتقاد بأن الكُتاب بهم مس من جنون ما، ومن هذه الإشكالية ينطلق كتاب “الأدب والجنون” للدكتور الراحل شاكر عبدالحميد، والذي أعادت الهيئة العامة للكتاب إصداره ضمن مشروع إعادة إصدار أعماله الكاملة.
ويُعد الكتاب دراسة استقصائية مثيرة، تبحث في العلاقة الجدلية بين الإبداع الفني والمرض العقلي؛ إذ يفند الدكتور شاكر عبدالحميد في هذا الكتاب “أسطورة التلازم” بين العبقرية والجنون، مؤكدا أن الإبداع يقوم في جوهره على “ملكة التنظيم” لا التفكك، مع رصد الفروق الدقيقة بين شطحات المبدع وهذيان المريض.
يتناول الكتاب قضية طالما شغلت الباحثين والعلماء والفنانين، وانقسمت حولها الآراء بين مؤيد لوجود تلازم بين العبقرية والجنون، ورافض لهذا الربط؛ فقد ذهب بعض المفكرين، مثل جاك دريدا، إلى أن المواهب العظيمة قرينة بالجنون، بينما اعتبر الطبيب الإيطالي تشيزاري لومبروزو أن العبقرية تعبير عن عقل مريض، وتحدث الطبيب الألماني إرنست كريتشمر عن العنصر المرضي المصاحب للمستويات المرتفعة من الموهبة.
في المقابل، رفض عدد كبير من العلماء والفنانين هذا الطرح، مؤكدين أن الإبداع يقوم في جوهره على ملكة التنظيم والقدرة على إعادة تشكيل العالمين الداخلي والخارجي، وهي قدرات تتناقض مع تفكك التفكير واختلال الإدراك الملازمين لحالات الذهان.
ويقدم الكتاب عرضا تاريخيا مختصرا لتطور مفهوم الجنون عبر العصور، ثم ينتقل إلى تحليل كيفية نشوء الربط بين الإبداع والاضطراب العقلي في أذهان المفكرين، خاصة من خلال مفاهيم الأحلام والهلاوس والخيال، التي شكلت أرضية مشتركة بين المجالين الأدبي والطبي.
كما يتطرق إلى بعض الأساليب العلاجية القديمة التي استلهمت مظاهر ارتبطت بالإبداع، مثل الخيال والأحلام.
ويتوقف الكاتب عند عدد من الأعمال الأدبية الكبرى التي تجلت فيها صور الاضطراب النفسي، من بينها مسرحيتا “الملك لير” و”هاملت” لويليام شكسبير، ورواية “القرين” أو “المثل” لفيودور دوستويفسكي، إلى جانب بعض مسرحيات أوجست سترندبرج، وأعمال أونوريه دي بلزاك وفرانز كافكا.
ويركز التحليل على شخصية المبدع بقدر اهتمامه بالنص، مستفيدا من مفاهيم الطب النفسي، مثل الهلاوس والهذاءات واضطرابات اللغة والوجدان وتفكك الشعور بالواقع، لرصد كيفية توظيف الأدباء لهذه الظواهر فنيا بعمق ونفاذ.
كما يشير الكتاب إلى أسماء أخرى، مثل إدجار آلان بو وجيرار دو نرفال، متناولا توظيف الجنون كأداة لاكتشاف أعماق الذات الإنسانية وكشف تناقضات المجتمع وصراعاته.
ويرى الكاتب أن تصوير الاضطراب العقلي في الأدب لم يكن مجرد رصد لحالة مرضية، بل وسيلة فنية لفهم القلق الإنساني والتحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
ويختتم الكتاب بتأكيد تفضيله لمصطلح المرض النفسي باعتباره أكثر شمولا من الجنون، إذ يضم مختلف الاضطرابات الشديدة والخفيفة، مع تركيز خاص على الحالات التي بلغت حد الذهان، باعتبارها الأكثر حضورا في الجدل حول العلاقة بين الإبداع والاختلال العقلي.
بوابة الشروق, ثقافة
8 أبريل، 2026