ثقافة, جريدة الدستور 19 أبريل، 2026

  مسرحية «الناس اللى تحت» واحدة من أبرز الأعمال التى كتبها الكاتب المصرى نعمان عاشور، أحد أهم رواد المسرح الواقعى فى مصر، فقد جاء النص فى فترة كانت فيها مصر تعيش تحولات اجتماعية واقتصادية كبيرة، فى منتصف القرن العشرين، حيث بدأت الطبقات الاجتماعية تتداخل وتتصادم، ما انعكس بوضوح فى كتاباته.وقد كان عاشور مهتمًا بتقديم صورة صادقة للمجتمع المصرى، خاصة الطبقة المتوسطة والدنيا، الطبقات التى تعيش فى الظل وتعانى من ضغوط الحياة اليومية، فجاءت المسرحية لتكون مرآة تعكس تفاصيل هذا العالم بكل ما فيه من تناقضات وصراعات إنسانية.تدور أحداث المسرحية فى إطار اجتماعى بسيط لكنه عميق الدلالة، حيث نتابع مجموعة من الشخصيات التى تعيش فى مكان واحد، يجمعها الفقر والظروف القاسية، ويكشف النص من خلال هذه الشخصيات عن شبكة معقدة من العلاقات الإنسانية التى تتأرجح بين التعاطف والصراع، وبين الأمل والانكسار، فكل شخصية تحمل بداخلها حكاية خاصة، لكنها فى الوقت نفسه جزء من حكاية أكبر تمثل واقع طبقة كاملة، ويعتمد النص على مواقف يومية تبدو عادية لكنها تكشف عن أزمات عميقة تتعلق بالكرامة والعدالة والبحث عن فرصة أفضل فى الحياة.كتب نعمان عاشور هذه المسرحية فى سياق ازدهار المدرسة الواقعية فى المسرح المصرى، وهى المدرسة التى تقوم على تقديم الواقع كما هو دون تزييف، مع التركيز على التفاصيل الحياتية الدقيقة، وقد تأثر عاشور فى ذلك بالاتجاهات العالمية التى ظهرت فى أوروبا، لكنه استطاع أن يمنحها طابعًا مصريًا خالصًا، حيث جاءت لغته بسيطة وقريبة من الناس، وحواراته تعكس طبيعة الشخصيات بشكل صادق، دون تكلف أو مبالغة، فالواقعية هنا لا تعنى فقط نقل الواقع، بل فهمه وتقديمه بطريقة تجعل المتلقى يشعر بأنه يرى نفسه على خشبة المسرح، وعلى مستوى العروض المسرحية، فقد حظيت «الناس اللى تحت» بعدد من التقديمات المهمة فى مصر، خاصة فى فترة الستينيات والسبعينيات، حيث كانت تقدم على مسارح الدولة مثل المسرح القومى، وقد شارك فيها عدد من كبار الممثلين الذين أضفوا على الشخصيات عمقًا وحيوية، كما أعيد تقديمها فى أكثر من مناسبة ضمن مهرجانات مسرحية، لما تحمله من قيمة فنية وإنسانية، ولم يقتصر تأثيرها على مصر فقط، بل لاقت اهتمامًا فى بعض الدول العربية التى وجدت فى موضوعها ما يتقاطع مع واقعها الاجتماعى.ومن بين التجارب المسرحية الحديثة التى أعادت قراءة هذا النص، يبرز عرض «ليالينا» للمخرج محمد الحضرى، الذى حاول أن يبتعد عن التناول الواقعى التقليدى للنص، وأن يقدمه برؤية جديدة تميل إلى التعبيرية، حيث لم يكتفِ بعرض الأحداث كما كتبها عاشور، بل أعاد تشكيلها من خلال التركيز على شخصية الفنان التشكيلى داخل العمل، وهى شخصية تم توظيفها لتكون عدسة يرى من خلالها الجمهور العالم المحيط، فقد أصبح هذا الفنان ليس مجرد شخصية ضمن الأحداث، بل محورًا لرؤية جمالية مختلفة تعيد تفسير الواقع.وفى هذا العرض، اعتمد المخرج محمد الحضرى على عناصر بصرية قوية، مثل المكياج المبالغ فيه والأزياء غير التقليدية، إلى جانب سينوغرافيا تعتمد على التشويه المتعمد للأشكال والمساحات، بهدف التعبير عن الحالة النفسية للشخصيات وليس فقط بيئتها الواقعية، فبدلًا من أن نرى المكان كما هو، نراه كما يشعر به الأبطال، وهذا التحول من الواقعية إلى التعبيرية منح النص بُعدًا جديدًا، حيث لم يعد مجرد حكاية عن الفقر والصراع الاجتماعى، بل أصبح تجربة شعورية تعكس اضطراب الإنسان فى مواجهة عالم غير متوازن.ورغم هذا التحول، ظل جوهر النص الأصلى حاضرًا، إذ بقيت القضايا التى طرحها نعمان عاشور قائمة، مثل الصراع الطبقى، ومحاولة الإنسان الحفاظ على كرامته فى ظل ظروف قاسية، لكن طريقة التعبير عنها تغيرت، فأصبحت أكثر رمزية وأكثر انفتاحًا على التأويل، وهو ما يعكس قدرة النص على التكيف مع الأزمنة المختلفة، وعلى استيعاب قراءات متعددة دون أن يفقد هويته الأساسية. إن «الناس اللى تحت» ليست مجرد مسرحية عن مجموعة من الأشخاص البسطاء، بل هى حكاية عن مجتمع كامل، وعن إنسان يبحث عن مكان له فى عالم لا يمنحه الكثير من الفرص، وقد استطاع نعمان عاشور من خلال هذا العمل أن يقدم نموذجًا حيًا للمسرح الواقعى فى مصر، وأن يفتح الباب أمام أجيال من المبدعين لإعادة اكتشاف هذا النص وتقديمه برؤى جديدة، كما حدث فى عرض «ليالينا»، الذى أكد أن النصوص العظيمة لا تموت، بل تتجدد مع كل قراءة جديدة، وتظل قادرة على ملامسة وجدان الجمهور مهما تغيرت الأزمنة. 

زيارة مصدر الخبر