بوابة الشروق, ثقافة 22 أبريل، 2026

للشعر غوايته، وللرواية سطوتها. يتداخل النمطان المنتميان إلى الأدب، يأخذان من بعضهما، ويتقاطعان مع نفسيهما؛ هما متضادان ومتكاملان في آن واحد، يمكن أن يكونا نقيضين، ويمكن أن ينبعا من النهر ذاته، لكنهما يظلان فرعين متقابلين.
على مدار رحلة هذه العلاقة الملتبسة، رأينا من يمارس الفنين معا؛ فهناك من تفوق في أحدهما، وهناك القلائل من تفوقوا فيهما معًا. هناك من كتب الرواية بقواعدها الصارمة، حتى لو بلغة شعرية، وهناك من حاول تطويع الشعر لصالح السرد.
لكن يمكننا القول بكل أريحية إنه في رواية “عنكبوت في القلب” للكاتب والشاعر والروائي محمد أبو زيد، الصادرة حديثا عن دار الشروق، استطاع أبو زيد خلق نسق جديد متمرد على مسار الرواية التقليدي، وفي الوقت نفسه ليس شعرًا بالمعنى الذي نعرفه.
يفتتح أبو زيد روايته بطريقة الشاعر العاشق للشعر، هو ذلك الحكاء الذي كان يقصّ الأثر قديما، وينقل دراما الأحداث فيما يشبه شعراء الربابة، إذا أردنا أن نكون دقيقين.
أربعة فصول تقف بعيدا عن أحداث الرواية، لكنها تتلصص عليها؛ هي منها وإليها. تشرح لنا ذلك العالم الذي يؤسسه الكاتب، والذي تتكون منه ميرفت، وتأبط شرا، الشاعر الصعلوك الشهير، الذي سيكون في عالم الرواية بغباء يردد الشعر.
حكاية المملوك المغايرة في مذبحة القلعة الشهيرة، وحكاية الموت والقبور، كلها حكايات درامية شعرية تتناول فكرة الحياة نفسها، وتناقش الموت، وفي الوقت ذاته تخلخل مفهوم الحكاية الذي نعرفه، وتحاكم الرواية المتعارف عليها.
يقسم أبو زيد الرواية بعد ذلك إلى أربعة أجزاء تحمل عناوين: “الفتى”، “الفتاة”، “المؤلف”، “السيارة”؛ تتقاطع وتتشابك في قالب مغاير للعمل السردي، وبروح شاعر ثائر على تقاليد الرواية. ومع تقسيم كل جزء إلى فصول، يمنحها عناوين شديدة العذوبة.
الجزء الأول، “الفتى”، يتحدث عن بيبو، الفتى الذي عشش العنكبوت في قلبه. هنا نصطدم بخيال جامح يمكن بسهولة اعتباره فانتازيا صرفة، لكن ما يميز هذا الخيال هو علاقته القوية بالواقع.
نعم، محمد أبو زيد يحول الخيال العجائبي إلى شيء روتيني. هنا يمكننا القول، ببعض الثقة، إنها واقعية سحرية، لكن الأمر لا يستقيم تمامًا؛ لذلك الأصح أن نصف هذا الخيال بأنه مزيج بين الفانتازيا والواقعية السحرية.
في هذا الجزء نواجه الكثير من الإسقاطات والتماسات مع الواقع، نلمس ذلك جليًا في أسماء الأبطال الهامشيين؛ فنرى زملاء بيبو في العمل مثل الممثلة والمغنية كيت وينسليت، والممثلة أودري تاتو، اللتين تحضران بشخصيتيهما الحقيقيتين، خاصة أودري تاتو.
نتقاطع أيضا مع شخصيات خيالية مثل علاء الدين ومصباحه، وسنو وايت، وحتى البطل بيبو ذاته، الذي استُمد لقبه من اللاعب الشهير محمود الخطيب. هنا نحن أمام كاتب حول الواقع إلى رواية، بل لعله يتساءل: أيهما أكثر واقعية، الرواية أم الواقع؟ أم أن الواقع ذاته أكثر خيالًا؟
فكرة العنكبوت الذي عشش في القلب، والقول بأن الحب هو ما يمكن أن يعيد القلب إلى عمله الأصلي، هي طرح لسؤال الحب الكبير، لكنه طرح مغاير لما اعتدناه.
الجزء الثاني، “الفتاة”، بطلتُه ميرفت عبد العزيز، الشخصية الحاضرة في دواوين محمد أبو زيد نفسها، وشخصيته المحببة، والتي تلقي بظلالها على الرواية. وللمفارقة، فهي أقل شاعرية في تكوينها من بيبو، صاحب القلب المعطوب.
صدر الكاتب كل فصل من جزء “الفتاة” بمقطع من إحدى قصائده في دواوينه السابقة، وحضرت ميرفت في بعض هذه الافتتاحيات الشعرية، وكأن ذلك تأكيد على أن عالم محمد أبو زيد الكتابي هو فضاء واحد تتحرك فيه القصيدة والرواية معا.
استخدم محمد أبو زيد تقنية كسر الإيهام بشكل بديع على مدار الرواية، ووظفها لتكون أداة قوية في تحريك الأحداث، وطرح أسئلة الكتابة، ومحاسبة الشاعر الذي قرر أن يكتب الرواية. يظهر ذلك من نهاية جزء “الفتى”، مرورا بالكسر الأكبر في الجزء الثالث “المؤلف”.
في الجزء الرابع، “السيارة”، يختزل العالم كله داخل سيارة، وتتكشف الأسئلة التي لن يستطيع أحد الإجابة عنها، لكن الشاعر وحده هو من يستطيع طرحها.
لقد نسج محمد أبو زيد في رواية “عنكبوت في القلب” سياقا جديدا لكتابة الرواية، مزج فيه بين السرد والشعر. لقد تعامل مع بنية الرواية بوصفها قصيدة؛ فأضحت اللغة رشيقة غير متكلفة، وصار الواقع خيالا، والخيال واقعيا.
نحن نقف أمام هذه الرواية ونحن متفقون، ومؤمنون، بأن التجريب في هذا النص كان متمردا، لكنه في الوقت ذاته مرهف؛ لذلك خرج العمل مدهشا.

زيارة مصدر الخبر