بوابة الشروق, ثقافة 23 أبريل، 2026

في تصعيد ثقافي وقانوني لافت، أدان أكثر من 200 مثقف وباحث وخبير ومهني في مجالات الثقافة والتراث من مختلف أنحاء العالم ما وصفوه بـ”الضرر غير القابل للإصلاح” الذي لحق بالتراث الثقافي الإيراني نتيجة الضربات الصاروخية الأمريكية–الإسرائيلية، محذرين من أن هذه الأفعال قد تشكل انتهاكًا للقانون الدولي.
وقد وقّع هؤلاء على بيان مشترك نُشر عبر جمعية الآثار الإيرانية الأسبوع الماضي، انتقد أيضًا ما اعتُبر استجابة غير كافية من قبل الدول والمؤسسات الدولية، مؤكدًا أن مسؤولية حماية التراث لا تقع فقط على عاتق الدولة المنتهِكة، بل تمتد أيضًا إلى الدول التي تفشل في الإدانة أو المحاسبة، وذلك استنادًا إلى مبادئ المسؤولية الدولية.
وأشار الموقعون إلى أن سلوك الولايات المتحدة وإسرائيل ألحق أضرارًا لا يمكن إصلاحها بالتراث الثقافي الإنساني، في مخالفة محتملة لاتفاقية لاهاي لعام 1954 الخاصة بحماية الممتلكات الثقافية أثناء النزاعات المسلحة، والتي تقوم على مبدأين أساسيين هما الاحترام والحماية، معتبرين أن الطرفين أخفقا في الالتزام بكليهما.
ويأتي هذا البيان استكمالًا لرسالة قانونية منفصلة وقّعها أكثر من 100 خبير في القانون الدولي، أكدوا فيها أن الهجمات على إيران تمثل انتهاكًا لميثاق الأمم المتحدة، معربين عن قلقهم من احتمال وقوع انتهاكات للقانون الإنساني الدولي، بما في ذلك جرائم حرب محتملة، خاصة في ظل تقارير تتحدث عن استهداف مدنيين ومرافق مدنية.
ومنذ بدء الضربات الموجهة لإيران في 28 فبراير الماضي، والتي توقفت مؤقتًا ضمن اتفاق لوقف إطلاق النار، قُتل أكثر من 3000 شخص داخل إيران وفقًا لجهات رسمية. وفي السياق نفسه، أفاد البيان بتضرر أكثر من 130 موقعًا مسجلًا لدى منظمة اليونسكو، إلى جانب متاحف ومناطق حضرية تاريخية ومواقع أثرية. وشملت الأضرار ضربات مباشرة، مثل القصف الذي طال قصر مجلس الشيوخ في طهران، فضلًا عن أضرار ناجمة عن القصف في مناطق تاريخية.
كما عبّر الموقعون عن قلقهم من التصريحات السياسية المصاحبة للنزاع، خاصة تصريحات وزير الدفاع الأمريكي بيت هيجسيث، التي أشار فيها إلى أن القوات الأمريكية لن تلتزم بما وصفه بـ”قواعد اشتباك غبية”، وهو ما اعتُبر تصريحًا مقلقًا للغاية.
ومن جانبها، أوضحت الباحثة والأكاديمية الإيرانية مهرنوش سروش أن البيان يعكس حالة من الإحباط المتزايد بين الخبراء بسبب غياب تحرك حاسم من الدول والمؤسسات الدولية، مشيرة إلى أن هذا الفراغ دفع الأفراد إلى التحرك لسد غياب الصوت الرسمي.
ورغم أن منظمة اليونسكو أقرت بوقوع أضرار في عدة مواقع تراث عالمي داخل إيران، مثل قصر جولستان في طهران، ومبنى جهل ستون ضمن الحدائق الفارسية في أصفهان، والجامع الكبير في أصفهان، ومواقع قرب وادي خرم‌آباد، فإنها لم تُدن الهجمات بشكل صريح، واكتفت بالتعبير عن “قلق عميق” والدعوة إلى الالتزام بالاتفاقيات الدولية، مؤكدة أنها زودت أطراف النزاع بالإحداثيات الجغرافية للمواقع الثقافية.
وأكدت سروش أن الأزمة الحالية تكشف خللًا جوهريًا في النظام الدولي يتمثل في غياب آليات فعالة لتطبيق القوانين، محذّرة من أن عقودًا من التشريعات قد تصبح بلا معنى في ظل غياب الإرادة السياسية لتنفيذها، كما ورد عبر منصة “ذا آرت نيوزبيبر”، وهي منصة دولية متخصصة في أخبار الفن والثقافة.
وجاء البيان بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التوصل إلى اتفاق مؤقت لمدة أسبوعين في 7 أبريل الجاري، وسط استمرار المفاوضات دون التوصل إلى اتفاق نهائي حتى الآن. ورغم التهدئة، شدد مدير مركز الدراسات الفارسية بجامعة كاليفورنيا في إيرفاين، الأمريكي من أصل إيراني توراج داريايي، على أن الخطر لا يزال قائمًا، محذرًا من إمكانية استئناف الحرب في أي لحظة، ما قد يؤدي إلى مزيد من تدمير المواقع الأثرية، مؤكدًا أن إثارة الوعي الدولي قد تؤثر في سلوك الأطراف مستقبلًا.
ودعا البيان الدول والمنظمات الدولية إلى اتخاذ إجراءات عاجلة، تشمل الاستعداد لتقديم الدعم لإيران ولبنان ودول أخرى متضررة، من خلال تقييم الأضرار وإعادة الترميم على المستويات المهنية والقانونية والمالية.
كما أوضحت الأستاذة المشاركة في الدراسات الكلاسيكية بجامعة شيكاغو كاثرين كيرنز أن البيان يأتي ضمن جهود أوسع لوقف الحرب، وتعزيز توثيق الأضرار ونشرها لدعم السياسات الدولية الرامية إلى حماية التراث الثقافي المهدد.
وفي الداخل الإيراني، أعلنت وزارة التراث الثقافي والسياحة والحرف اليدوية بدء أعمال ترميم طارئة في عدة مواقع، من بينها قصر جولستان، وهو الموقع الإيراني الوحيد المدرج ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو في طهران. كما تم إرسال نحو 300 خبير لتقييم الأضرار، مع تقديم ما لا يقل عن ثمانية تقارير إلى منظمات دولية.
وأكدت اليونسكو أنها على تواصل مستمر مع السلطات المحلية، وأنها تلقت معلومات حول الأضرار التي لحقت بالمواقع الثقافية، والتي لا تزال قيد التقييم حتى الآن.
 

زيارة مصدر الخبر