في الوقت الذي تهرع فيه المجتمعات الرقمية خلف كل ما هو جديد في عالم “الطب البديل”، استفاقت الأوساط الصحية في مصر اليوم الأحد على تجدد التحذيرات من ظاهرة “حقنة القهوة الشرجية” التي باتت تتصدر منصات التواصل الاجتماعي كـ “تريند” عالمي يزعم القدرة على تطهير الجسد من السموم، هذا الجدل لم يقف عند حدود النصائح المنزلية، بل استدعى تدخلًا رسميًا حاسمًا من كبرى المؤسسات الطبية لبيان الخيط الرفيع بين الوهم والحقيقة الطبية.
صدى عالمي ومخاوف محلية
بدأت القصة مع انتشار موجة عالمية، نقلها “بلوجرز” وصناع محتوى، تروج لحقن محلول القهوة المخمرة عبر المستقيم، بدعوى أن امتصاص مركبات الكافيين يحفز الكبد على إزالة السموم وتنشيط الدورة الدموية، بل وصل الأمر إلى إدراجها ضمن ما يُعرف بـ “علاج جيرسون” البديل لمواجهة مرض السرطان، إلا أن الواقع الطبي في مصر كان له رأي آخر، حيث أصدر المعهد القومي للأورام اليوم تحذيرًا شديد اللهجة، شدد فيه على أن استخدام هذه الحقن بجانب جرعات فيتامين “سي” المركزة كعلاج للأورام هو “تضليل طبي” يهدد حياة المرضى ويمنعهم من تلقي العلاجات الكيماوية والإشعاعية المثبتة علميًا.خرافة “الديتوكس” وتفنيد العلمطبيًا، يؤكد الخبراء وعلى رأسهم الدكتور روزاريو ليجريستي، رئيس قسم أمراض الجهاز الهضمي في المركز الطبي بجامعة هاكنساك، أن فكرة “تطهير القولون” بالقهوة ما هي إلا خرافة لا تسندها أبحاث سريرية قاطعة، فالجسم البشري يمتلك “منظومة تطهير” طبيعية تتمثل في الكبد والكلى، وهي قادرة على تنظيف نفسها دون تدخلات قسرية خارجية، وما يشعر به البعض من “خفة ونشاط” فور استخدام هذه الحقن ليس إلا تأثيرًا مؤقتًا لامتصاص الكافيين عبر الأغشية المخاطية، وهو ما يصفه الأطباء بـ “النشاط الزائف” الذي قد يعقبه انهيار صحي.
مخاطر كارثية: من الحروق إلى الوفاة
تتجاوز مخاطر هذه الممارسة مجرد انعدام الفائدة، إذ حذر الأطباء من أن القهوة مادة حامضية بطبيعتها، وحقنها مباشرة في القولون قد يؤدي إلى حروق كيميائية حادة، والتهابات في جدار المستقيم، وفي حالات متقدمة قد يصل الأمر إلى ثقب في الأمعاء، وهو ما يتطلب تدخلات جراحية عاجلة، علاوة على ذلك، فإن الامتصاص السريع للكافيين بجرعات سامة يسبب خفقان القلب، القلق الحاد، واختلال توازن الأملاح في الجسم، مما قد يؤدي إلى سكتة قلبية مفاجئة، خاصة لمن يعانون من أمراض القلب أو البواسير.تؤكد وزارة الصحة والسكان، والمعهد القومي للأورام، أن المسار الوحيد للتعافي هو الطب القائم على الدليل، فالقهوة مشروب يُستمتع به عبر الفم لتنشيط الذهن، وتحويلها إلى وسيلة علاجية “شرجية” هو مقامرة غير محسوبة العواقب، وتُهيب الجهات المسؤولة بالمواطنين عدم الانسياق وراء “تريندات” التواصل الاجتماعي، والاعتماد على المؤسسات الحكومية والجامعية التي تقدم خدماتها وبروتوكولاتها العلاجية مجانًا وبأعلى معايير الأمان العالمية، بعيدًا عن أوهام “الطب البديل” القاتل.