قال عدد من المخرجين والكتاب المسرحيين إن المسرح الجامعى يحتاج إلى إعادة النظر إلى دوره وأهميته، كأحد أهم روافد العمل المسرحى فى مصر، فى ظل معاناته من القيود الإدارية والتنظيمية، واضطراب آليات التمويل، وغياب الدعم فى كثير من الأحيان، الأمر الذى يحوله إلى مجرد إجراء شكلى، ويسبب جهدًا شاقًا للطلاب لتنظيم عروضهم.ودعا الكتاب والمخرجون، خلال حديثهم لـ«الدستور»، إلى إزالة العقبات التنظيمية، وتوحيد القواعد الإدارية الخاصة بالعملية المسرحية داخل الجامعات المصرية، مع إعادة النظر فى قواعد الإدارة وتوفير التمويل اللازم للعروض الطلابية، بما يسهم فى ترسيخ مبدأ العدالة وخلق بيئة تنافسية صحية تدعم الإبداع، وتسهم فى تعزيز دور المسرح الجامعى كإحدى أهم أدوات التثقيف وبناء الوعى داخل المجتمع. اختفاء الدعم المادى والإدارى.. والعروض «إن وجدت» تقام فى قاعات غير مجهزة رأى الكاتب محمد على إبراهيم أن النشاط المسرحى فى الجامعات المصرية يمر حاليًا بأسوأ مراحله، نتيجة اختفاء الدعم الإدارى الواعى؛ ما أدى إلى تراجع الاهتمام الحقيقى بالنشاط المسرحى داخل المؤسسات التعليمية، حتى أصبح فى كثير من الأحيان مجرد إجراء شكلى، بينما تحول بالنسبة للطلاب إلى جهد شاق للحصول على أبسط الحقوق اللازمة لإنتاج عروضهم المسرحية. وقال «إبراهيم»: «بنظرة سريعة إلى واقع معظم الجامعات، يتضح أن كثيرًا من العروض المسرحية لا تُقدم داخل مسارح مجهزة تليق بطبيعة العمل الفنى، بل تُقام فى قاعات أُعدت فقط لتأدية الغرض، دون أن تكون مهيأة لخدمة العملية المسرحية أو دعمها تقنيًا وفنيًا، فضلًا عن غياب دعم مالى ثابت ومحدد، الأمر الذى يجعل رحلة إنتاج العرض المسرحى أشبه بماراثون طويل من المعاناة للحصول على الإمكانات الأساسية».وأضاف: «النظر إلى المسرح الجامعى باعتباره مجرد نشاط ترفيهى يمثل خطأ تقع فيه أطراف متعددة، تشمل الإدارات والمشاركين والجهات المعنية، والمسرح هو الطرف الذى يدفع ثمن هذا الفهم الخاطئ، فى ظل تراجع الدعم المؤسسى وغياب الرؤية التى تضع النشاط المسرحى فى مكانته الحقيقية كأداة للتثقيف وبناء الشخصية». وأوضح أن دور المسرح الجامعى يعد دورًا أصيلًا فى الحركة المسرحية المصرية، باعتباره المصنع الحقيقى الذى تتبلور فيه أفكار الشباب وتتشكل شخصياتهم الفنية، مؤكدًا أن المسرح الجامعى ليس نشاطًا عابرًا داخل الجامعة، بل هو مساهمة فعلية فى تشكيل وعى الطلاب وتنمية قدراتهم، سواء من خلال المشاركة المباشرة فى العروض أو عبر المشاهدة والتفاعل مع القضايا الفنية والفكرية.واختتم حديثه بالتأكيد أن حل المشكلة يكمن فى إيمان جميع الأطراف بمسئولياتهم تجاه النشاط المسرحى، لضمان تحقيق أهدافه الثقافية والتربوية، مع عمل الإدارات الجامعية على إزالة العقبات التنظيمية، بدلًا من صناعتها، حتى يواصل المبدعون دورهم فى تدريب جيل جديد قادر على العطاء المسرحى والمشاركة بفاعلية فى نهضة المسرح المصرى. مخرجون وطلاب ينفقون من أموالهم الخاصة نتيجة ضعف الميزانيات المخصصة قال المخرج محمود الصعيدى، المكلف بإخراج مسرحية بكلية التربية بجامعة الزقازيق، ضمن مهرجان «الثلاث فصول»، إنه اعتذر عن عدم استكمال المشاركة فى المهرجان بالعرض المسرحى «عودة الملك» قبل موعده بـ٢٠ يومًا، بعد شهر ونصف الشهر من العمل المتواصل فى التجهيزات والبروفات وتحمل نفقات إنتاجية مختلفة.وأضاف أنه منذ يوم ٤ يونيو الماضى حتى تاريخ اتخاذ قرار الاعتذار، جرى منعه من استكمال البروفات دون أسباب واضحة، موضحًا: «أعتقد أن السبب الرئيسى كان استدعائى بشكل متكرر من قِبل أحد المسئولين الإداريين للضغط علىّ من أجل إشراك شخص بعينه فى العرض المسرحى وإعطائه دور بطولة، وبالطبع رفضت من منطلق مهنى وأخلاقى، ولم أقبل أن أظلم أحدًا من فريق العمل، أو أغير بنية العرض استجابة لضغوط إدارية أو لتحقيق مصالح شخصية».وأشار إلى أن «طلاب المسرح فى كلية التربية كانوا يستحقون فرصة حقيقية لإثبات قدراتهم وتقديم عمل يليق بجهودهم وشغفهم، وبذلوا جهدًا كبيرًا خلال فترة الإعداد، وكانوا يتطلعون إلى تقديم عرض يعبّر عن طاقاتهم الفنية وإمكاناتهم الإبداعية»، مشددًا على أنه لم يدخر جهدًا فى دعم الطلاب وتدريبهم والعمل معهم طوال فترة التحضير، إذ تنازل عن جميع النفقات التى أنفقها على العرض، تقديرًا لهؤلاء الشباب وإيمانًا بموهبتهم، متمنيًا لهم التوفيق فى مسيرتهم الفنية المقبلة.وذكر أن ما يحدث فى جامعة الزقازيق لا يمثل حظرًا على النشاط المسرحى بقدر ما هو تقييد فعلى للعملية المسرحية، نتيجة ضعف الميزانيات المخصصة للعروض، والبيروقراطية الإدارية التى تعطل الإجراءات المالية، ما يضطر المخرجين والطلاب إلى الإنفاق من أموالهم الخاصة لاستكمال العروض.ولفت إلى أنه واجه هذه التحديات رغم نجاحه فى إعادة فريق كلية الحقوق بعد توقف دام ٨ سنوات، وتحقيقه مراكز متقدمة فى الإخراج والعرض والديكور والملابس.وشدد على أن طلاب الجامعات يمتلكون شغفًا حقيقيًا بالمسرح، وأن النشاط المسرحى يلعب دورًا مهمًا فى توجيه الشباب نحو الثقافة والمعرفة، إلا أن غياب التجهيزات المسرحية المناسبة، وإقامة العروض فى قاعات غير مؤهلة فنيًا، يمثلان عائقًا حقيقيًا أمام تطوير المسرح الجامعى وتحقيق رسالته التربوية والثقافية. إلغاء أعمال وحل فرق بسبب تفسير إدارى صارم للوائح والقوانين دون نظر لمستوى الإبداع الفنى أكد الناقد المسرحى محمد النجار أن المسرح الجامعى فى مصر يُعد أحد الروافد المهمة للإبداع المسرحى، ومختبرًا حقيقيًا لاكتشاف المواهب وصقلها وتطويرها، فضلًا عن كونه مساحة تعليمية وثقافية، تسهم فى تشكيل وعى الطلاب وتنمية انتمائهم، مشيرًا إلى أن الجدوى الحقيقية من أى نشاط مسرحى تقوم على الوعى بدوره وجدواه وأثره فى المجتمع.ولفت «النجار» إلى أن المسرح الجامعى، باعتباره إنتاجًا نظاميًا ومؤسسيًا، يرتبط باللوائح والقوانين المنظمة للعمل داخل الجامعات، وهو ما يفرض الحاجة إلى موظفين إداريين يمتلكون رؤى مختلفة وقدرات خاصة تُمكّنهم من تطبيق روح القانون قبل نصه الجامد.وأوضح أن الموظف الإدارى المعنى بإدارة النشاط المسرحى داخل الجامعة يجب أن يكون على وعى كامل بجدوى هذا النشاط وأهميته فى إثراء الحركة الثقافية والفنية، بل ودوره الأساسى فى بناء شخصية الطالب وتعزيز انتمائه للمجتمع. وأشار إلى أن سؤال الجدوى من النشاط المسرحى فى الجامعات المصرية يُعد من أكثر الأسئلة إلحاحًا وتعقيدًا، لافتًا إلى أن المشهد الراهن فى المسرح الجامعى يكشف عن أن بعض العروض تم إلغاؤها، وبعض الفرق تم حلها، ليس بسبب ضعف فنى أو قصور إبداعى، وإنما نتيجة تفسير إدارى صارم للوائح والقوانين.وقال: «تطبيق القانون فى المجال الفنى قد يختلف فى طبيعته عن تطبيقه فى الحياة اليومية، لأن الفن بطبيعته يعتمد على تقريب الأفكار وفتح مساحات للتعبير، وليس على التضييق أو المنع».وأضاف «النجار»: «كثير من الموظفين الإداريين يدركون جيدًا أن النشاط المسرحى لا يتعارض مع القانون العام أو اللوائح المنظمة، إذا ما تم التعامل معه بوعى وفهم لطبيعته الثقافية والفنية، لكن المشهد داخل الجامعات لا يقتصر على وجود معرقلين للنشاط، بل يضم أيضًا نماذج داعمة ومؤمنة بدور المسرح، والقضية فى جوهرها ترتبط بمدى وعى المسئولين بجدوى هذا النشاط وقدرتهم على تسهيل عملية الإنتاج».وتابع: «بعض المناوشات أو الأزمات التى تحدث فى عدد محدود من الجامعات لا تمثل تهديدًا حقيقيًا لكينونة المسرح الجامعى، لأنها ظروف طارئة لا يمكن تعميمها على جميع المؤسسات، لكن التحدى الأكبر الذى قد يؤثر فعليًا فى مستقبل المسرح الجامعى يتمثل فى التفاوت غير العادل بين ميزانيات الإنتاج داخل الجامعات المصرية، بل وحتى بين كليات الجامعة الواحدة». وقال: «عند مقارنة العروض المقدمة فى بعض جامعات العاصمة بنظيراتها فى الجامعات الإقليمية يظهر بوضوح مدى تفاوت الإمكانات الإنتاجية، والذى ينعكس مباشرة على جودة الصورة المسرحية ومستوى الأفكار المطروحة، وتحقيق العدالة بين الجامعات يتطلب توحيد آليات الإنتاج وتوفير فرص متكافئة لجميع الفرق المسرحية».وأكد أن توحيد القواعد الإدارية المنظمة لإنتاج العروض المسرحية داخل الجامعات المصرية، من خلال قرارات ملزمة يصدرها المجلس الأعلى للجامعات، من شأنه أن يرسخ مبدأ العدالة ويخلق بيئة تنافسية صحية تدعم الإبداع وتمنح الطلاب فرصًا متساوية للتعبير الفنى، وهو ما يسهم فى تعزيز دور المسرح الجامعى كإحدى أهم أدوات التثقيف وبناء الوعى داخل المجتمع. كثير من الإداريين لا يعرفون طبيعة العمل المسرحى اعتبر المخرج والكاتب محمد عادل النجار أن أسباب تقييد النشاط المسرحى فى الجامعات تعود فى الأساس إلى سوء فهم بعض القرارات الخاصة بترشيد الإنفاق.وأوضح أن الهدف من هذه القرارات هو تنظيم المصروفات وليس تقليص الأنشطة الأساسية، إلا أن بعض الإدارات تفسرها بشكل فردى يؤدى إلى تقليل الإنتاج أو إيقافه، وهو ما وصفه بأنه أمر خطير على مستقبل المسرح الجامعى.وأشار إلى أن عددًا من الإداريين لا يعرفون طبيعة العمل المسرحى ولا يدركون مردوده الثقافى والتربوى، مؤكدًا ضرورة تأهيل العاملين فى مجال الأنشطة لفهم أهمية المسرح ودوره فى تشكيل وعى الشباب.ولفت إلى أن التجارب السابقة التى قادها إداريون وفنانون كانوا على دراية بطبيعة النشاط، أسهمت فى خلق لغة حوار مشتركة وبيئة داعمة للإبداع.وشدد على أن المسرح الجامعى يمثل النواة الأساسية للحركة المسرحية فى مصر، وأن أى توقف أو تقليص فى نشاطه سيؤثر سلبًا على مستوى الإنتاج المسرحى خلال السنوات المقبلة، خاصة فى ظل اعتماد الفرق على الجهود الذاتية وتراجع الدعم خلال العامين الماضيين، ما أدى إلى انخفاض المشاركات وصعوبة جذب طلاب جدد.ورأى أن الأزمة لم تعد حالة عابرة، فى ظل شكاوى متزايدة من عدد من الكليات والجامعات، محذرًا من أن استمرار النظر إلى المسرح الجامعى باعتباره نشاطًا هامشيًا أو رفاهية سيؤدى إلى تراجع دوره الثقافى والتربوى، رغم كونه إحدى أهم أدوات بناء الوعى وتنمية الإبداع لدى الشباب.
ثقافة, جريدة الدستور
26 أبريل، 2026