تمر اليوم (3 مايو) ذكرى ميلاد المفكر والسياسي نيكولو مكيافيلي، الذي ولد في 3 مايو عام 1469 بمدينة فلورنسا، ورحل في 21 يونيو عام 1527 بالمدينة نفسها.
يعد مكيافيلي أحد أبرز منظري الفكر السياسي في عصر عصر النهضة، ولا يزال اسمه حتى اليوم مثيرا للجدل، خاصة لارتباطه الشائع بمقولة “الغاية تبرر الوسيلة”، وهي العبارة التي، وإن لم ترد نصا في كتاباته، فإنها تكشف جانبا من رؤيته البراغماتية للسياسة.
ترك مكيافيلي عددا من المؤلفات المهمة في الفقه السياسي، لعل أشهرها كتاب “الأمير”، إلى جانب كتاب “فن الحرب”، الذي يعد من أبرز أعماله في التنظير العسكري والسياسي.
ويصنف “فن الحرب” ضمن الكلاسيكيات الكبرى في الفكرين العسكري والسياسي، إذ لم يقتصر تأثيره على زمنه، بل امتد ليلهم شخصيات تاريخية بارزة مثل فريدريك الكبير، ونابليون بونابرت، وتوماس جيفرسون، وفولتير، بل ووصل صداه إلى الأدب عند ويليام شكسبير. ومن ثم، يظل الكتاب قراءة أساسية لكل من يسعى لفهم تطور نظرية الحرب في الغرب.
جاء الكتاب في صيغة حوار أقرب إلى الأسلوب السقراطي، حيث يعرض مكيافيلي أفكاره عبر شخصية اللورد فابريزيو كولونا، التي يرجح أنها تمثل صوته الفكري.
ويؤكد في مستهل العمل أن الغاية من التنظيم العسكري ليست الهيمنة فقط، بل “تكريم الفضيلة، وتعزيز الانضباط، وتقييد المواطنين بقيم مشتركة، بما يضمن تغليب المصلحة العامة على الخاصة”. وفي هذا السياق، يشبه الجيش بسقف القصر الذي يحمي ما بداخله.
كتب مكيافيلي هذا العمل بين عامي 1519 و1520، ونُشر في العام التالي، ليكون المؤلف التاريخي أو السياسي الوحيد الذي صدر في حياته، رغم تعيينه مؤرخا رسميا لفلورنسا عام 1520 وتكليفه ببعض المهام المدنية.
ينطلق مكيافيلي في “فن الحرب” من فكرة مركزية، مفادها أن الفصل بين الحياة المدنية والعسكرية هو تصور مضلل. فعلى الرغم من أن الكثيرين يرون بينهما تناقضا، إلا أنه يؤكد وجود علاقة عضوية عميقة تربطهما، بحيث لا يكتمل استقرار الدولة إلا بتكاملهما واتحادهما.
ولا ينظر مكيافيلي إلى المسألة العسكرية بوصفه رجل حرب بقدر ما يتناولها كمفكر سياسي، مدركا الدور الحاسم للقوة العسكرية في تشكيل السلطة. ومن هنا، يخلص إلى أن عظمة الدولة واستقرارها يرتبطان بامتلاكها قوة عسكرية منظمة ومتماسكة.
وهو ما عبر عنه بوضوح في كتاب “الأمير”، ثم أكده في كتاب “المطارحات” بقوله: “لا يمكن أن توجد قوانين صالحة إلا حيثما وُجدت أسلحة قوية، وحيثما وُجدت أسلحة قوية وُجدت قوانين صالحة”.
ولهذا، يحث الحاكم على أن يجعل الحرب وتنظيمها في صدارة اهتماماته، معتبرا أن بقاء السلطة مرهون بقدرة الدولة على حماية نفسها. وفي “المطارحات”، ومن خلال قراءته للتاريخ الروماني، ينتهي إلى أن “أساس الدولة هو التنظيم العسكري السليم”.
هكذا، لا يقدم “فن الحرب” مجرد دليل في التكتيك العسكري، بل يتجاوز ذلك ليطرح تصورا متكاملا للعلاقة بين القوة والسياسة، حيث تصبح المؤسسة العسكرية عنصرا بنيويا في تشكيل الدولة.
ويمكن القول إن هذا الكتاب كان أحد الركائز الأساسية التي أسست لشهرة مكيافيلي كمفكر عسكري، إذ ظل هاجس الربط بين القوة والنظام السياسي هو المحور الذي جذب إليه مجمل تفكيره.
بوابة الشروق, ثقافة
3 مايو، 2026