بين تفاصيل الحياة اليومية للمصري القديم، تكشف قطعة صغيرة وبسيطة المظهر عن قدر كبير من الابتكار والرمزية الحضارية؛ إنها “مسند الرأس”، الذي رافق المصريين القدماء عبر عصور طويلة منذ مصر القديمة وحتى العصر اليوناني الروماني. ولم يكن هذا المسند مجرد وسيلة تمنح الراحة أثناء النوم،  بل حمل أيضًا دلالات دينية وجنائزية مهمة، ومع الوقت تحول مسند الرأس إلى شاهد فريد على براعة المصري القديم في الجمع بين الوظيفة العملية والرمزية العقائدية في آن واحد.

“مساند الرأس” تعكس المكانة الاجتماعية للمتوفي في مصر القديمة

ووفقا للمتحف المصري بالقاهرة، اعتمد المصريون القدماء منذ فجر الدولة القديمة وحتى العصر اليوناني الروماني على ابتكار فريد يُعرف بـ “مسند الرأس”، وهو أداة صُممت لرفع الرأس وتأمين الراحة أثناء النوم، ولم يقتصر دور هذا المسند على الوظيفة النفعية اليومية فحسب، بل اكتسب أبعادًا طقسية عميقة بصفته عنصرًا جوهريًا في الأثاث الجنائزي،  وقد انعكس هذا الاهتمام في دقة تصنيعه من مواد متنوعة تراوحت بين الخشب والعاج والألباستر، مما يعكس المكانة الاجتماعية للمتوفى وتطور الحرف اليدوية عبر العصور المصرية المختلفة.

كيف عكست “مساند الرأس” المكانة الاجتماعية للمصريين القدماء؟
مساند الرأس في مصر القديمة​أما من الناحية الهيكلية، فقد حافظ مسند الرأس على تصميم هندسي ثابت يتسم بالاتزان والجمال، حيث يتألف من ثلاثة أجزاء رئيسية متصلة بانسجام. تبدأ القاعدة في الأسفل بشكل مستطيل ومسطح لضمان الثبات التام على الفراش، وغالبًا ما كانت تُنقش عليها نصوص دينية لتقديم القرابين. يرتفع فوق هذه القاعدة عمود أسطواني يمثل الجزء الأوسط، والذي كان يُستخدم أحيانًا كمساحة لتدوين النقوش الهيروغليفية، وصولًا إلى الجزء العلوي ذي الشكل الهلالي المنحني ليتناسب مع شكل الرأس، مما يخلق رابطًا بصريًا ووظيفيًا متكاملًا يربط بين الراحة الجسدية والمعتقدات الروحية.
img
​ومع الاستخدامات الحياتية والجنائزية، فقد فرضت طبيعة وضعية النوم لدى المصريين القدماء، الذين كانوا يفضلون النوم على أحد جوانبهم، ضرورة استخدام هذا المسند لرفع الرأس عن مستوى الفراش وتوفير الدعم اللازم، ولم تتوقف أهميته عند حدود الحياة الدنيا، بل امتدت إلى العالم الآخر، حيث جرت العادة على دفن هذه المساند مع الموتى، لا سيما في عهدي الدولتين القديمة والوسطى، فكانت تُوضع بعناية داخل التوابيت أسفل رأس المومياء مباشرة، كجزء لا يتجزأ من التجهيزات الضرورية لضمان سلامة وراحة المتوفى في رحلته الأبدية.

زيارة مصدر الخبر