حول عاصفة الجدل التي فجرها قرار دار الكتب باشتراط تسليم نسخة “وورد” من الكتاب لإصدار رقم الإيداع، تحدث الباحث الدكتور عمرو منير، لـ”الدستور”.

طلب نسخة مفتوحة من المصنف بصيغة Word يمس الملكية الفكرية

يرى “منير” أن البيان التوضيحي الصادر عن دار الكتب والوثائق القومية بشأن القرار رقم 198 لسنة 2026 لم ينهِ القلق القائم لدى المؤلفين والناشرين، لأن المشكلة لا تتعلق بفكرة الإيداع الإلكتروني في ذاتها ولا برفض التحول الرقمي، وإنما بطبيعة النسخة المطلوبة وبالضمانات الغائبة حول حفظها واستخدامها.وأوضح: “طلب نسخة مفتوحة من المصنف بصيغة Word يمس الملكية الفكرية في واحدة من أكثر صورها حساسية، فهذه الصيغة قابلة للتعديل والنسخ والنقل وإعادة التداول وربما التسريب، خاصة إذا كان العمل لم يصدر بعد في صورته النهائية أو كان قيد الطبع والمراجعة، ومن ثم فإن الاطمئنان العام إلى حرص الدار على حماية الحقوق لا يكفي ما لم يتحول إلى لائحة واضحة تحدد الصيغة المطلوبة وآلية الحفظ ومن يملك حق الاطلاع وحدود الاستخدام والمسؤولية القانونية عند أي عبث أو تسريب”.ولفت إلى: “ومع كامل الاحترام لبعض الآراء العلمية التي أشارت إلى وجود تجارب قريبة في مكتبات وطنية كبرى مثل أستراليا ونيوزيلندا، فإن المقارنة تحتاج إلى ضبط، فالفارق كبير بين مؤسسة تطلب نسخًا قابلة للمعالجة داخل منظومة رقمية مؤمنة ومعلنة، وتقدم في المقابل خدمات واضحة للباحثين والناشرين، وبين قرار يصدر هنا من غير حوار كافٍ ولا إعلان تفصيلي للبنية الفنية والقانونية التي ستحمي هذه الملفات”.

هل تملك دار الكتب بنية رقمية مؤمنة؟

وأضاف: “قبل الاستشهاد بأي نموذج دولي يجب أن نعرف: هل تملك دار الكتب بنية رقمية مؤمنة تضاهي تلك المؤسسات؟ وهل أعلنت سياسات الوصول إلى الملفات؟ وهل توجد صلاحيات محددة وسجلات متابعة وتشفير ومساءلة؟ وما حق المؤلف أو الناشر إذا وقع ضرر؟ هذه الأسئلة لا تخص الجانب الفني وحده، بل تمس جوهر الثقة بين أصحاب المصنفات والمؤسسة الحافظة”.وشدد “منير” على: “وتزداد المخاوف حين توضع هذه الخطوة في سياق أوسع من اضطراب الإتاحة الرقمية وضعف الخدمات والترهل الإداري، وما عرفه الوسط الثقافي من وقائع سابقة أثارت القلق حول سلامة حفظ بعض المخطوطات والمقتنيات النادرة، فالمؤسسة التي تطلب ملفات مفتوحة من المؤلفين والناشرين مطالبة أولًا بأن تثبت قدرتها على الحفظ الآمن والإتاحة المنضبطة والتأمين الرقمي الحقيقي”.وأضاف: “نحن مع تطوير آليات العمل ومع حق الدولة في التوثيق والفهرسة والحفظ، لكن قرارًا بهذا الحجم يمس صناعة النشر كلها، وكان ينبغي أن يسبقه حوار مؤسسي مع اتحاد الناشرين واتحاد كتاب مصر والجهات المعنية بحقوق الملكية الفكرية، حتى لا يشعر أصحاب الحق بأنهم أمام تعليمات مفاجئة تمس أعمالهم من غير مشاركة ولا ضمانات”.

دار الكتب مؤسسة ذاكرة وطنية ومكانتها لا تقوم على سلطة إصدار القرارات وحدها

وتابع: “دار الكتب مؤسسة ذاكرة وطنية، ومكانتها لا تقوم على سلطة إصدار القرارات وحدها، بل على ثقة من يكتب ومن ينشر ومن يبحث، ولهذا تكشف هذه الأزمة عن حاجة أوسع إلى تجديد الرؤية وتغيير سياسة الإدارة، والانتقال من منطق التعليمات الفوقية إلى منطق الحوار والحوكمة والشفافية”.وأشار إلى أن “المخرج الصحيح الآن هو تجميد القرار مؤقتًا وفتح حوار جاد مع اتحاد الناشرين واتحاد كتاب مصر والمؤلفين، ثم إصدار لائحة تنفيذية واضحة تعتمد نسخة رقمية نهائية مؤمنة مثل PDF محمي أو صيغة أرشيفية منضبطة، مع تحديد إجراءات الحفظ والوصول والمساءلة، بما يحفظ حق الدولة في التوثيق وحق المؤلف والناشر في الأمان والملكية والكرامة المهنية”.واختتم “منير” مؤكدًا: “على رئاسة دار الكتب أن تسمع لأهل المهنة، فدار الكتب لا تُدار من برج عاجي ولا بروح القرار الذي يسبق الحوار، بل تُدار بثقة أصحاب المعرفة وباحترام من يكتب ومن ينشر ومن يحفظ ذاكرة هذا البلد”.

زيارة مصدر الخبر