من يصدق أن هناك الكثير من العلماء والمثقفون والمخترعون وكبار الفلاسفة يؤمنون بـ الخرافة؟!.. تساؤل استهل به الكاتب الدكتور زين عبدالهادي، أستاذ المعلومات بجامعة حلوان، حديثه حول حديث الساعة: لماذا يصدق المصريون الخرافة؟
الإنسان لا يعيش بالمعادلات وحدها بل بالقصص التي تمنحه معنى
وقال عبدالهادي: “ثمة مشهد يتكرر في التاريخ ولا يُفسَّر بسهولة: عالم يحمل دكتوراه في الفيزياء النظرية، يضع في جيبه حجابًا كتبته له أمه قبل مناقشة رسالته. أو فيلسوف يُحاضر في العقلانية صباحًا، ويتجنب السفر في أيام بعينها لأن جدته علّمته ذلك. هذا ليس نفاقًا، ولا ازدواجية مرفوضة. هذا هو الإنسان في كامل تناقضه وعظمته”.وأضاف: “أعرف علماء مازالوا يبحثون في الآثار الفرعونية عن أسرار مقدسة تتسم كلها بالغيبيات التي لايمكن لعقل واع أن يصدقها، الغريب أن هذا العقل الواع يعيد تشكيلها، أنظر مثلا للسينما الهوليودية إنها تغذي بلا توقف الخرافة بأشكال جديدة وتعمقها لدى الشعوبّ.. كل الشعوب!”.وتابع: “إسحاق نيوتن، أعظم عقل في تاريخ الفيزياء الكلاسيكية، أمضى سنوات طويلة في الكيمياء الخيميائية شبه المقدسة في المعتقد الشعبي، يبحث عن حجر الفلاسفة الذي يحوّل المعادن ذهبًا. لم يكن جاهلًا، بل كان يؤمن أن الكون يخفي أسرارًا لا تكفيها المعادلات، وكارل يونغ، مؤسس علم النفس التحليلي، كان يؤمن بالتزامن – أي أن الأحداث المتشابهة التي لا يربطها سبب ظاهر تحمل معنى خفيًا. لم يكن يهذي، بل كان يقول بأسلوبه العلمي ما يقوله الجد المصري حين يرى شرارة في الموقد قبيل خبر”.واستطرد: “لماذا إذن؟ لأن العقل الكبير لا يُعفي صاحبه من الخوف الأقدم. الخوف من الفقدان، من المجهول، من أن يتفتت ما بنيته بضربة واحدة من القدر. والخرافة في جوهرها العميق ليست إجابة، بل هي طقس للسيطرة على القلق. حين تضع العالِمة الخرز الأزرق في حقيبتها، هي لا تنكر نيوتن، بل تُهدّئ الطفلة الصغيرة التي لا تزال تسكن داخلها”.
الشعوب تتمسك بـ الخرافة كنوع من مقاومة الشر والخوف
وتحدث الدكتور زين عبدالهادي، عن الخرافة والفلسفة، قائلا: “هنا يدخل البُعد الفلسفي من أوسع أبوابه. كانط فرّق بين العقل النظري الذي يعرف، والعقل العملي الذي يعيش. الإنسان لا يعيش بمعادلاته، بل بمعانيه. والمعنى لا يُشتق من التجربة العلمية وحدها، بل من القصص التي نحكيها لأنفسنا في الظلام. الخرافة قصة، وأكثر الناس ثقافةً لا يستطيعون العيش بلا قصة”.واستدرك “عبدالهادي”: “لكن حين ترى الخرافة تستشري بين الشعوب فلتعلم أن تمسكهم بالخرافة هو نوع من المقاومة، في النهاية مجموعة من البشر، يرفضون الخرافة ويقبلونها في ذات الوقت، يرفضونها لأنها لا تتفق مع اتجاهاتهم، ويقبلونها لأن نتائجها ستحقق ما يسعون إليه، أعرف عالمة ذكاء اصطناعي، تحدثك عن الرياضيات والتقدم العلمي، ومع ذلك ستجد في حقيبتها عشرات الأدلة على استشراء الخرافة، الشعوب تتعلق بها كذاكرة جمعية، ودليل على المقاومة للشر بجميع أشكاله الفيزيائي والمتخيل”.
زوجات علماء ومختصون في الذكاء الاصطناعي يتمسكون بالأحجبة والحسد رغم إيمانهم بالعلم
وأضاف: أعرف زوجات علماء مشاهير، يتمسكون بالأحجبة، ويزورون المشعوذين، ويضعون خرزة زرقاء على الباب، لحماية أزواجهم من العين والحسد، إلى آخر هذه (مانعتبره ترهات) ومع ذلك لم يتنازل المجتمع عنها”.واختتم: “في النهاية، المثقف الذي تخلّى تمامًا عن كل ما لا يُثبت فقد شيئًا من إنسانيته قبل أن يكسب شيئًا لعقله. لأن الإنسان الكامل ليس من لا يخاف، بل من يخاف ويفكر في الوقت ذاته. والخرز الأزرق في جيب الفيزيائي ليس هزيمة العلم بل هو توقيع الإنسان على هشاشته، وهذا التوقيع أجمل من كل براءات الاختراع”.