مع احتفال معرض “آرت دبي” الفني الدولي بمرور 20 عامًا على انطلاقه، شهدت نسخة 2026 تجارب من أنحاء مختلفة من العالم، حيث تتقاطع فيها الفنون المعاصرة والرقمية مع الحكايات الإنسانية، وتحضر فيها أسماء فنية راسخة إلى جانب أصوات شابة تعيد قراءة الهوية والذاكرة والمكان.

وحملت الدورة الأخيرة من معرض آرت دبي حضورًا نسائيًا لافتًا، سواء عبر الفنانات الإماراتيات والعربيات أو من خلال الأعمال التي تطرح أسئلة تتعلق بالبيت والانتماء والبيئة والذاكرة، إلى جانب منحوتات وتجارب فنية تستدعي سير أصحابها وتفاصيل رحلاتهم الإبداعية.

وفي حوارها مع “اليوم السابع”، تتحدث المستشارة الثقافية والفنية لمعرض “آرت دبي” هالة خياط عن التحولات التي شهدها المعرض خلال عقدين، وأبرز الفنانات المشاركات،  كما تكشف رؤيتها للحراك الفني المصري وتجربتها مع “آرت كايرو”.

المستشارة الثقافية والفنية لـ”آرت دبى” فى حوار مع “اليوم السابع”: المعرض نقطة وصل تجمع العالم بمكان واحد.. التجربة الفنية فى مصر لها عمق تاريخى.. وأحرص على زيارة “فن القاهرة” والمتحف الكبير مصدر فخر للعرب

هالة خياط بين لوحتين للمصريتين جاذبية سري وزينب عبدالحميد

 

“آرت دبي” نقطة وصل جمعت العالم في مكان واحد

تقول هالة خياط: أنا شاهدة على هذه الرحلة منذ بدايتها تقريبًا. حضرت كل النسخ، في البداية كزائرة، ثم أصبحت جزءًا من الفريق منذ 6 سنوات. ما يميز “آرت دبي” في عامه العشرين هو أنه لم يعد مجرد معرض، بل أصبح نقطة التقاء حقيقية للفنانين من مختلف أنحاء العالم.
وتضيف: على مدار هذه السنوات، نجح المعرض في بناء شبكة علاقات قوية مع صالات العرض والفنانين والمؤسسات الثقافية، وهذه العلاقات هي ما نراه اليوم مجتمعة في هذه النسخة. هو مكان يجمع العالم، ويمنح فرصة لأي شخص لا يستطيع السفر أن يرى هذا التنوع الفني في مكان واحد.

img

20 عاما على آرت دبي

 

كما أنه أصبح جزءًا من النسيج الثقافي في الإمارات. هناك جيل كامل نشأ وهو يرى الفن من خلال “آرت دبي”، خاصة في ظل قلة المتاحف سابقًا، فكان المعرض يسد هذا الفراغ ويخلق حراكًا ثقافيًا يمتد من دبي إلى أبوظبي والشارقة.

img

هالة خياط مع محررة اليوم السابع

 

وتضيف أن المعرض لم يقتصر دوره على عرض الأعمال الفنية، بل كان نافذة للتعرف على فنانين من دول مختلفة، قائلة إن “آرت دبي” عرّفها على فنانين مصريين قبل أن تتعرف عليهم داخل مصر نفسها، كما فتح الباب أمام اكتشاف تجارب فنية من باكستان والفلبين والمغرب وغيرها.

تحقيق التوازن الجندري في آرت دبي 

وعن الأعمال النسائية التي كانت الأكثر حماسًا لها في نسخة هذا العام، تؤكد هالة خياط أن أكثر ما يسعدها في آرت دبي هو تحقيق التوازن والعدالة الجندرية في تمثيل الفنانين، معتبرة أن معيار الاختيار الأساسي هو قوة العمل الفني لا جنس صاحبه.

وتقول: “لا أرى فرقًا بين فنان رجل وفنانة امرأة، الجميع يعبر عن طاقته الفنية، لكن الحقيقة أن كثيرًا من متاحف العالم لا تزال تُقصر في إبراز أعمال النساء، بينما لدينا في آرت دبي حضور نسائي مرتفع للغاية”.

وتلفت إلى مشاركة أسماء إماراتية بارزة، في مقدمتها الفنانة الإماراتية الرائدة الدكتورة نجاة مكي، التي تصفها بأنها “مدرسة فنية قائمة بذاتها”، لما تقدمه من أعمال تجريدية تعتمد على الطبقات اللونية والألوان الفسفورية وتجارب بصرية متعددة.

img

جانب من الأعمال المعروضة في آرت دبي 2026

 

كما تتوقف عند الفنانة الإماراتية الشابة سارة المهيري، التي تقدم أعمالًا مستوحاة من عمران المدن الإماراتية وتفاصيل البناء والهندسة، معتبرة أن تجربة الإمارات الحديثة انعكست بوضوح على جيل الفنانين الشباب.

وتشرح: “الإمارات بلد حديث نسبيًا، وبالتالي نشأ الفنانون الشباب وسط مشهد عمراني متغير باستمرار، من الخشب والحديد والطرق والبناء، وهذا انعكس على الأعمال الفنية بصورة لافتة”.

وتشير أيضًا إلى أعمال الفنانة الإماراتية علياء حسين لوتاه، التي تربط بين الهوية الإماراتية والبحر والمحار والصيد، عبر أعمال تعتمد على خامات وإشارات مستوحاة من البيئة البحرية، مؤكدة أن هذا النوع من الفن يعيد تقديم فكرة الانتماء للمكان بصورة مختلفة.

كما تلفت إلى تجربة الفنانة ليلى جمعة، التي تقدم أعمالًا نسيجية ضخمة تتأمل فكرة البيت والذاكرة والأشياء التي تبقى وتختفي، وتطرح تساؤلات حول المساحات الحقيقية والمتخيلة داخل البيوت.

وتضيف أن هناك أسماء أخرى بارزة مثل سارة الحداد وعلية زعال، التي تجمع بين العمل الفني وتنظيم المعارض، وتقدم رؤية بصرية مرتبطة بالطبيعة الإماراتية.

“المرأة والنهر” كيف حولت منى السعودي الحجر إلى ذاكرة؟

وعن منحوتة “المرأة والنهر”، تتحدث المستشارة الفنية لآرت دبي بحنين واضح عن النحاتة الأردنية الراحلة منى السعودي، التي تصفها بأنها واحدة من أهم النحاتات العرب وأكثرهن تفردًا.

وتقول إن منى السعودي امتلكت تجربة استثنائية وشخصية شديدة الصلابة، إذ غادرت منزل أسرتها مبكرًا لتشق طريقها نحو الفن في بيروت، وظلت تعمل حتى في أصعب فترات الحرب اللبنانية.

وتضيف: “كانت تنحت بينما بيروت تمر بظروف قاسية في السبعينيات، وكأنها كانت تعيش داخل عالمها الخاص، لا يشغلها سوى الحجر والعمل”.

وتوضح أن علاقة منى بالحجر لم تكن تقليدية، بل أقرب إلى علاقة حسية وإنسانية عميقة، إذ كانت تجمع الصخور من أماكن مختلفة في العالم العربي، من الأردن ومصر وغيرها، وتتعامل مع كل خامة وكأنها كائن حي له شخصية مختلفة.

img

منحوتة المرأة والنهر

 

وتتابع: “كانت تقرأ الحجر بطريقة مدهشة؛ تعرف أي نوع يستجيب سريعًا وأي نوع يحتاج وقتًا وصبرًا، وكأنها تتحدث عن أقمشة وملمس مختلف للحياة”.

وتشير إلى أن منحوتة “المرأة والنهر” تعد من الأعمال اللافتة في مسيرتها، مؤكدة أن الفنانة الراحلة تركت إرثًا متحفيًا مهمًا، وكانت حريصة على حضور “آرت دبي” سنويًا والوقوف بجوار أعمالها لساعات طويلة.

متابعة للمشهد الفني المصري والمتحف الكبير مصدر فخر للعالم العربي

وعن المشهد الفني المصري تتحدث هالة خياط بحماس واضح، مؤكدة أن علاقتها بالمشهد الثقافي المصري ممتدة منذ سنوات وتقول: مصر لها مكانة خاصة جدًا. أنا أحرص على زيارتها سنويًا، وشاركت في “آرت كايرو” أو فن القاهرة، وكانت تجربة مهمة جدًا بالنسبة لي. زرنا عددًا كبيرًا من الجاليريهات في الزمالك ومصر الجديدة والتجمع، وشاهدنا تنوعًا غنيًا في المشهد الفني.

كما زرت المتحف المصري الكبير، وهو بالفعل مشروع ضخم ومصدر فخر للعالم العربي. التجربة الفنية في مصر لها عمق تاريخي لا يمكن تجاهله، وهذا ما يجعلها دائمًا حاضرة بقوة في أي مشهد فني إقليمي.

حتى على المستوى الشخصي، اقتنيت عملاً لفنان مصري شاب، وأنا سعيدة جدًا بهذه الخطوة، لأنها تعكس ثقتي في هذا الجيل الجديد من الفنانين.

زيارة مصدر الخبر