جريدة الدستور, فن 2 يونيو، 2026

أثناء البحث في تاريخ الكراسي ظهر «The Chair»، مسلسل قصير في ست حلقات فقط، ظننته في البداية عملًا وثائقيًا ففتحته، لكوني غير معتادة على أن تُناقَش فكرة درامية بهذا العمق في ست حلقات فحسب.. لكن، إن كانت مصر قد استطاعت هزيمة إسرائيل في ست ساعات، فلا عجب أن يتمكن صُنّاع عمل جيد من إيصال رسالتهم في ست حلقات، كما حدث هنا.يتناول العمل الأكاديميا، وهو مصطلح أعجمي عادة ما يذكر العقل بالإضاءات الخافتة في المكتبات الجامعية والحلات الصوفية وأردفة الجامعات ولكن لا يتحدث مسلسل The Chair عن مكاتب الأكاديميا المتربة، ولا عن رزانة القاعات الجامعية فحسب؛ بل يتحدث عن الكرسي بوصفه كائنًا قادرًا على أن يغيّر من يعتليه، أو لعل الأدق أن نقول: يكشف ما خفي من أمره، وعن السلطة بوصفها عبئًا أكثر منها امتيازًا.عمل يعرف حقيقة المسافة الموجعة بين ما نعلنه من قوة وقيم سامية فوق المنصات، وبين ما نمارسه من ذعر خلف الأبواب الموصدة، إنه مرآة ترينا كيف تبني البشرية أنظمة نبيلة، ثم تتركها، بمرور الوقت، فتتحول إلى وحوش بيروقراطية تلتهم صانعيها.يبدأ المسلسل بتولي جي-يون رئاسة القسم بوصفها أول امرأة غير بيضاء تصل إلى هذا المنصب، فهي من أصول آسيوية، اختصر العمل اللحظات الاحتفالية التي توحي بكسر سقف الممكن وقفز مباشرة في إفتتاحيته إلى إجتماعها الأول، كأن المسلسل يهمس لنا بمرارة ما الفائدة من تحطيم السقف إذا كانت الأرضية تحتك لا تزال مفخخة؟ 

على الحافة.. «الكرسي كمرآة» كيف يكشف مسلسل The Chair هشاشة المبادئ في 6 حلقات؟
 شخصية جي-يون

أبرز الأحداث

واجهت جي-يون في أول مشاهدها على الكرسي حقيقة أنها تجلس على طاولة الكبار بل وتدير كل الكبار في قسمها حيث يجلس أمامها أعرق الأساتذة في قسمها، ولكنها بلا سلطة حقيقية، وبلا موارد تسند الحلم. ووجودها، بجيناتها تلك، لم يكن سوى ديكور أخلاقي لمؤسسة غيّرت مظهرها، لكنها لم تغيّر جوهرها. ظلت الماكينة القديمة تعمل بذات التروس الصدئة التي لا تعترف بالتغيير، بل تستغله لتجميل صورتها.وبعد توالي الأحداث أكتشفت الأسيوية وكشفت للمشاهد في ديالوجات متعددة مع زملائها أن الحدث يوحي بالرفعة والمكانة، لكن الواقع يقول إن الكرسي هو الموقع الأكثر انكشافًا للرشق. لقد برعت البشرية في ابتكار مناصب تبدو كأنها ترقيات، لكنها في الحقيقة ليست سوى مصدّات للصدمات. تمنحك المؤسسة اللقب كي تمتلك وجهًا تلومه حين تسقط الميزانيات، لا يدًا تُصلح بها ما انكسر. ظنت رئيسة القسم أن السلطة هنا ليست أداة تغيير، بل طُعم يجعل صاحبه مرئيًا بما يكفي ليصبح الضحية القادمة.لم يُطلب من جي-يون أن تفعل جديدًا، بل فقط أن تكرر الأفعال نفسها التي طُلبت ممن جلسوا على الكرسي قبلها.

img
جي-يونوتتوالى الأحداث حتى نصل إلى الذروة، حين يرتكب الأكاديمي بيل -وهو المفضل للأسيوية- خطأ غير مقصود على الإطلاق. وهنا تقف فضيحته عند نقطة التماس الحارقة بين القصد والأثر.يتسغل صناع العمل هذا الحدث لتجريد المشاهد من رفاهية الشعارات؛ وتجعله يدرك أن النية الطيبة لا ترمم الجرح الذي قد تتركه الكلمة حتى وإن لم تقصد. نحن نعيش في مجتمعات لم تتعلم بعد كيف ترضي أطراف عدة دون صنع ضحايا.لم نتعلم بعد كيف نحاسب على الفعل دون أن نعدم الفاعل معنويًا، وكيف نحترم سياق التعلّم دون أن نتجاهل ألم الطلبة، وهو ما جعل الصراع هنا ليس صراعا بين طلاب وأستاذ بل صراع بين العدالة متمثلة في محاولات إحتواء رئيسة القسم للطلبة وجعلهم يدركون أن خطأ معلمهم لا يعني فصله وتجاهل تاريخه وأن هذا لا يوازي ذاك، وبين الرغبة في الانتقام من قبل الطلاب.في جامعة بيمبروك، نرى الأستاذة جوان وكأنها تُدفن حيّة تحت ركام سؤال وحيد كبر في صدرها حتى خنقها “ما العمل؟” وهي ليست بالضعيفة، فقد رفضت الزواج وقررت تبني طفلة ميكسيكة رغم معارضة والدها.احتقرت الأسيوية المجتمع الذي يعبد الحداثة إلى درجة احتقار التراكم المعرفي، هو مجتمع يقطع جذوره بيده. البشرية تحتاج إلى التجديد كي لا تتعفن، لكنها تحتاج أيضًا إلى الاستمرارية وتراكم العلوم والخبرات كي لا تضل الطريق. الحضارة التي تتخلى عن كبارها بخفة، هي حضارة تفقد هيبتها وتتحول إلى لقطة عابرة في تيار الزمن، وحاولت جعل الجميع يدرك هذا ولكن دون جدوى، هنا ظهر دور حلقة الوصل، وإجابة سؤالها.لعبت الأكاديمية ياز، ذات الأصول الأفريقية، دور حلقة الوصل بين جي-يون الجالسة على الكرسي والجيل القادم. حيث تجسد ياز مأساة هذا الجيل؛ الأصوات التي تُستدعى لتكون واجهة عصرية للمؤسسة، لكنها تُحرَم من الجوهر: المال، والحماية، والأمان الوظيفي. إنه الاستغلال الأنيق، حيث تبيعك المؤسسة وهم مقابل استنزاف طاقتك الإبداعية، دون أن تمنحك مقعدًا حقيقيًا على مائدتها، وهو ما جعلها قادرة على تفهم ألم الطلاب.ولكنها فشلت في إقناع مديرتها الأسيوية برأيها، مما جعل الأمر ينتهي بغرق كل من “بيل” الذكي، و”جي-يون” الكفؤة، في وحل المظاهرات التي تطالب برحيلهما، دون اكتراث لكون جي-يون أول امرأة تجلس على كرسي رئاسة القسم. 

الكفاءة لا تعني الحصانة من الألم 

يذكّرنا المسلسل بأن الكفاءة لا تعني الحصانة من الألم. نحن نعيش في عالم يقدّس المخرجات ويتجاهل الأرواح. والمجتمع الذي لا يلتفت إلى معاناة أفراده إلا حين تتحول إلى فضيحة أو تريند، هو مجتمع مصاب بتبلّد المشاعر؛ لا يرى الإنسان إلا حين يسقط من فوق الخشبة.شخصيات العمل تتقن أرقى النظريات، وتتحدث بلغة الفلسفة والأدب، لكنها عند المواجهة الأخلاقية، تلوذ بالصمت أو التحيّز. وهنا يكمن الدرس القاسي، التعليم العالي بلا شجاعة أخلاقية ليس إلا هشاشة مزينة بالكلمات.فالبشرية اليوم لا تشكو من نقص في الأذكياء، بل من فقر حاد في الشجعان الذين يجرؤون على قول لا حين تكون الخسارة شخصية.الطلاب، والأساتذة، والإدارة.. الجميع يصرخ، لكن لا أحد يسمع، لأن كل طرف يصرخ في وجه الآخر. يصور المسلسل الوحدة بوصفها المرض الحقيقي داخل المؤسسة. فأزماتنا لا تنبع فقط من تصادم الأفكار، بل من تلاشي الرؤية المشتركة. حين لا يشعر الإنسان بأنه مرئي حقًا في مكانه، يبدأ في التآكل، وتتحول المؤسسة من مجتمع إلى مقبرة مأهولة بالأحياء.الأنظمة التي تعاني من شح الموارد وضعف الثقة، تصبح أنظمة قمعية بالضرورة. المؤسسة المعافاة تملك ترف الرحمة والاحتواء، أما المؤسسة التي تنهار، فإنها تضحي بأبنائها لتنجو هي. هذا التوحش الناعم يُمارَس يوميًا في المكاتب المكيفة، حيث تُذبح الكرامات تحت مسميات مثل إعادة الهيكلة أو حماية السمعة. وهذا ما حدث حين قررت الجامعة إقالة البروفيسور بيل لفض مظاهرات الجامعة واحتواء غضب الطلاب، رغم أن بيل كان من أكثر الأساتذة اهتمامًا بطلابه، بل وكان سببًا في نشرهم لأبحاثهم.

كيف نُحاسب دون أن ندمّر؟

هذا هو المأزق الإنساني الكبير الذي يختصره العمل الدرامي هذا، كيف نُحاسب دون أن ندمّر؟ وكيف نرحم دون أن نضيّع الحقيقة؟ فنحن نتأرجح دومًا بين طرفي نقيض، إما إعدام معنوي بلا فرصة ثانية، أو تساهل يقتل العدالة. و”الكرسي” يدعونا إلى النضج، إلى إدراك أن الحقيقة معقدة، وأن حماية الإنسان هي المهمة الأصعب والأهم.إن ما نتعلمه من The Chair كبشرية هو أن أكبر إخفاقاتنا لا تأتي من نقص في المعطيات، بل من فيض في الجبن الأخلاقي. فالفجوة بين ما ندّعي أننا نؤمن به وما نفعله حين تهتز كراسينا هي المسافة التي يولد فيها الخراب.هذا المسلسل لم يكن يومًا عن جامعة، بل كان عنّا نحن.. بكل مخاوفنا، وغرورنا، وتوقنا إلى أن نكون مرئيين في عالم لا يرى إلا الألقاب.إنه الإنسان.. ولكن في ملابسه الرسمية الأكثر أناقة، والأكثر تشرذمًا. 

زيارة مصدر الخبر