رغم أن العالم مُصمم في معظمه لليد اليمنى، من الأدوات المدرسية إلى المعدات الصناعية وحتى طرق التحية، إلا أن نسبة الأشخاص الذين يستخدمون اليد اليسرى ظلت مستقرة تقريبًا عبر التاريخ عند حوالى 9% إلى 10%، وهو ما حيّر العلماء لفترة طويلة، وتشير الدراسات الحديثة إلى أن هذه النسبة ليست صدفة، بل نتيجة توازن دقيق بين الوراثة، والتطور البيولوجي، وطبيعة التنافس البشري.
ظاهرة قديمة جدًا عمرها آلاف السنين
تشير الأدلة الأثرية إلى أن ظاهرة استخدام اليد اليسرى موجودة منذ عصور ما قبل التاريخ، حيث تظهر آثار على أدوات حجرية وأسنان وهياكل عظمية تشير إلى أن بعض البشر الأوائل كانوا يفضلون اليد اليسرى في الاستخدام اليومي، وهذا يعني أن اليد اليسرى لم تظهر كحالة جديدة، بل هي جزء قديم من التنوع البشري منذ بداياته الأولى، ومن منظور تطوري، أي صفة ضارة عادة ما تختفي مع الزمن، لكن عُسر اليد لم يختفِ، بل بقي بنسبة صغيرة وثابتة، ويفسر العلماء ذلك بما يُعرف باسم “الانتقاء المعتمد على الندرة”، وهو مبدأ يعني أن بعض الصفات تظل موجودة لأنها مفيدة فقط عندما تكون نادرة.
ميزة القتال والتفوق المفاجئ
في البيئات القديمة التي كان فيها القتال المباشر شائعًا، كان معظم البشر يعتمدون على اليد اليمنى، وبالتالي يتدربون ويواجهون خصومًا بنفس النمط الحركي، لكن ظهور شخص أعسر اليد كان يخلق عنصر مفاجأة، لأن الزوايا والتوقيت والحركة تختلف، ما يمنحه أفضلية في المواجهات القريبة، وهذا التفوق يفقد قيمته إذا أصبح عدد العُسر كبيرًا، لأن الجميع حينها سيتكيف مع أسلوبهم.
الجينات لا تفسر كل شيء
لا يوجد جين واحد مسؤول عن تحديد اليد المسيطرة، بل هي نتيجة مزيج معقد من العوامل الوراثية وتطور الدماغ أثناء الحمل والصدفة البيولوجية، لذلك يمكن أن يولد طفل أعسر من والدين أيمنين، والعكس صحيح، دون نمط ثابت أو مباشر، وتظهر هذه الأفضلية بشكل واضح في الرياضات التنافسية مثل الملاكمة والتنس والكريكيت، فمثلًا، اللاعبون العُسر غالبًا ما يحققون نتائج جيدة في المستويات العالية لأن خصومهم أقل تعودًا على أسلوب لعبهم، وليس لأنهم “أفضل بيولوجيًا” بشكل عام، لكن هذه الميزة تعتمد دائمًا على الندرة، وليست تفوقًا مطلقًا.
المجتمع لم يكن دائمًا متقبلًا
وتاريخيًا، ارتبطت اليد اليمنى بالمعايير الإيجابية في العديد من الثقافات، بينما اعتُبرت اليد اليسرى أقل قبولًا اجتماعيًا، بل وأحيانًا غير مرغوبة، وفي بعض الفترات، خصوصًا في القرن التاسع عشر، كانت المدارس تُجبر الأطفال على الكتابة باليد اليمنى، ما أدى إلى انخفاض مؤقت في نسبة العُسر في بعض المجتمعات، ومع تراجع هذا الضغط الاجتماعي، عادت النسبة إلى مستواها الطبيعي تقريبًا.