مع إعلان المجلس الأعلى للثقافة القائمة القصيرة للمرشحين لجائزة النيل في الفنون لعام 2026، عاد اسم الفنان التشكيلي ووزير الثقافة الأسبق فاروق حسني إلى الواجهة بوصفه أحد أبرز المرشحين للفوز بأرفع جائزة ثقافية وفنية تمنحها الدولة المصرية، وبينما يتنافس على الجائزة هذا العام مع الدكتور محمد شاكر، يرى قطاع واسع من المثقفين والفنانين أن مجرد وصول فاروق حسني إلى المرحلة النهائية يمثل اعترافًا متأخرًا بمسيرة استثنائية كان ينبغي أن تتوج منذ سنوات.فجائزة النيل لا تمنح فقط للمبدعين أصحاب الإنجازات الفردية، وإنما لمن تركوا أثرًا ممتدًا في وجدان الأمة وأسهموا في بناء مؤسساتها الثقافية وصياغة رؤيتها الحضارية، ومن هذه الزاوية، يبدو اسم فاروق حسني واحدًا من أكثر الأسماء استحقاقًا للجائزة، باعتباره فنانًا عالميًا وصاحب مشروع ثقافي متكامل غيّر وجه الحياة الثقافية المصرية على مدار أكثر من عقدين.ولد فاروق حسني في الإسكندرية عام 1938، وتخرج في كلية الفنون الجميلة عام 1964، قبل أن يبدأ رحلة طويلة في العمل الثقافي والدبلوماسي، شملت إدارة الأكاديمية المصرية للفنون في روما والعمل ملحقًا ثقافيًا في أوروبا، ثم تولي وزارة الثقافة عام 1987، وهو المنصب الذي ظل يشغله حتى عام 2011، ليصبح أحد أطول وزراء الثقافة بقاءً في المنصب في تاريخ مصر الحديث.وخلال هذه السنوات، لم يكن فاروق حسني مجرد وزير يدير مؤسسة حكومية، بل قاد مشروعًا واسعًا لتحديث البنية الثقافية المصرية، فشهدت البلاد في عهده إنشاء وتطوير عشرات المؤسسات والمتاحف والمراكز الثقافية التي أصبحت جزءًا من المشهد الثقافي المصري المعاصر، وقد ارتبط اسمه بتأسيس وتطوير عدد من الصروح الكبرى، مثل مركز الجزيرة للفنون، وقصر الفنون، ومركز الإبداع الفني بالإسكندرية، ومتحف النوبة بأسوان، والمتحف القومي بالإسكندرية، إلى جانب مشروعات تطوير دار الكتب والوثائق القومية، ودعم حركة النشر والترجمة والفنون التشكيلية والمسرح والسينما.كما شهدت تلك الفترة توسعًا غير مسبوق في شبكة قصور الثقافة والمكتبات العامة، ووصول الأنشطة الثقافية إلى محافظات ومناطق ظلت لعقود بعيدة عن مركز الحركة الثقافية في القاهرة، وكانت فلسفة فاروق حسني تقوم على أن الثقافة ليست رفاهية للنخب، وإنما حق أصيل لكل مواطن، وهو ما انعكس في حجم المشروعات التي انتشرت في مختلف أنحاء الجمهورية.وعلى المستوى الفني، يعد فاروق حسني واحدًا من أبرز رواد الفن التشكيلي العربي المعاصر، فقد قدم عبر عقود طويلة تجربة إبداعية متفردة في الفن التجريدي، ونجحت أعماله في الوصول إلى أهم قاعات العرض والمتاحف الدولية، ليصبح أحد أكثر الفنانين العرب حضورًا على الساحة العالمية، وتميزت تجربته بقدرتها على الجمع بين الحس المصري واللغة البصرية المعاصرة، ما منحها مكانة خاصة في تاريخ الفن العربي الحديث.غير أن ما يميز تجربة فاروق حسني عن كثير من الفنانين هو نجاحه في الجمع بين الإبداع والإدارة الثقافية، فقد استطاع أن يحول الثقافة إلى أحد أدوات القوة الناعمة المصرية، وأن يعيد تقديم مصر للعالم باعتبارها مركزًا حضاريًا وثقافيًا قادرًا على الحوار والتأثير، ولم يكن من قبيل المصادفة أن يخوض عام 2009 معركة الترشح لمنصب المدير العام لمنظمة اليونسكو، وأن يصل إلى المراحل النهائية في واحدة من أكثر الانتخابات الدولية تعقيدًا، في إنجاز عكس حجم الحضور الذي حققته الثقافة المصرية في تلك الفترة.ومن أبرز الشواهد على رؤيته الحضارية بعيدة المدى، دوره المحوري في إطلاق مشروع المتحف المصري الكبير، أحد أعظم المشروعات الثقافية والأثرية في القرن الحادي والعشرين، فقد كان فاروق حسني من أوائل الداعمين لفكرة إنشاء متحف عالمي جديد يليق بعظمة الحضارة المصرية ويستوعب كنوزها الأثرية المتزايدة، وساهم خلال توليه وزارة الثقافة في تحويل المشروع من فكرة إلى مشروع قومي تتبناه الدولة المصرية، وفي عهده وضع حجر الأساس للمتحف، كما قاد جهود الترويج الدولي للمشروع، وساهم في حشد الدعم والتمويل اللازمين له، ليصبح المتحف المصري الكبير اليوم أحد أهم الإنجازات الحضارية في تاريخ مصر الحديث وأكبر متحف أثري مخصص لحضارة واحدة في العالم.وعلى الصعيد الإنساني والثقافي الأوسع، أسهم فاروق حسني في ترسيخ فكرة الثقافة بوصفها أداة للحوار بين الشعوب، وعمل على تعزيز الحضور المصري في المؤسسات والمحافل الدولية، بما جعل اسمه مرتبطًا بدبلوماسية ثقافية نشطة ساهمت في تقديم صورة مصر الحضارية إلى العالم، كما ارتبط اسم فاروق حسني بالدفاع عن الهوية الثقافية المصرية في مواجهة التحديات المختلفة، وبالعمل على حفظ التراث المادي وغير المادي، ودعم حركة الفنون والآداب، وتعزيز الحوار الثقافي بين مصر والعالم.ورغم مرور سنوات على مغادرته وزارة الثقافة، فإن آثار المشروع الذي قاده ما زالت حاضرة بقوة في المؤسسات الثقافية والمتاحف والمراكز الفنية التي أنشئت أو طورت خلال فترة توليه المسؤولية، ولذلك لا ينظر كثير من المثقفين إلى ترشيحه لجائزة النيل هذا العام باعتباره منافسة عادية على جائزة رفيعة، بل باعتباره فرصة لتكريم مسيرة كاملة من العطاء والإبداع والعمل الوطني.وإذا كانت جوائز النيل تمنح لمن تركوا أثرًا استثنائيًا في حياة المصريين وثقافتهم، فإن سجل فاروق حسني يتجاوز حدود الإنجاز الشخصي إلى المشاركة في صياغة مرحلة كاملة من تاريخ الثقافة المصرية الحديثة، فهو الفنان الذي حقق حضورًا عالميًا، والوزير الذي بنى مؤسسات ما زالت تعمل حتى اليوم، وصاحب الرؤية التي أسهمت في ولادة مشروعات كبرى على رأسها المتحف المصري الكبير، لهذا يبدو ترشيح فاروق حسني لجائزة النيل في الفنون لعام 2026 أقرب إلى تتويج مستحق لمسيرة امتدت لأكثر من ستين عامًا من الإبداع والعمل الثقافي، وإلى تكريم تأخر طويلًا لرجل ترك بصمة يصعب تجاوزها في تاريخ الثقافة المصرية والعربية المعاصرة.
ثقافة, جريدة الدستور
16 يونيو، 2026