كشفت شبكة “سي إن إن” (CNN) الأمريكية أن المملكة المتحدة تبدو متجهة نحو تعيين رئيس وزراء سادس خلال نحو سبع سنوات فقط، في ظل فشل متكرر للزعماء السياسيين في التعامل مع اقتصاد ضعيف يضغط على الدخل ومستويات المعيشة، ويؤدي إلى تآكل ثقة الناخبين.وتابعت أن رئيس الوزراء البريطاني المنتهية ولايته وزعيم حزب العمال كير ستارمر، الذي يستعد لمغادرة منصبه بعد عامين فقط، ليس استثناءً في هذا المسار المضطرب، إذ سبقه أربعة رؤساء وزراء هم ريشي سوناك وليز تراس وبوريس جونسون وتيريزا ماي، وجميعهم واجهوا التحديات الاقتصادية ذاتها تقريبًا، لكنهم لم يمكثوا طويلًا في السلطة.

أسرار رحيل رؤساء وزراء الحكومة البريطانية

أما ليز تراس، فقد انتهت ولايتها خلال أقل من شهرين بعد أن رفضت أسواق السندات خطتها لخفض الضرائب دون تمويل واضح، ما تسبب في اضطراب كبير كاد أن يدفع الأسواق المالية البريطانية إلى أزمة حادة.وبعيدًا عن ضغوط أسواق السندات، فإن العبارة التي اشتهرت في حملة كلينتون تعكس واقعًا سياسيًا متكررًا، وهو أن تجربة المواطنين مع الاقتصاد، وما يستطيعون تحمله أو لا يستطيعون تحمله من تكاليف المعيشة، هي العامل الحاسم في تقييمهم للسياسيين.في بريطانيا، يدفع السياسيون ثمنًا باهظًا لحالة الشعور السائد بأن الحياة أصبحت أصعب وأكثر كلفة.ويظهر ذلك في ضعف نمو الأجور مقارنة بارتفاع الأسعار، ما يجعل المواطنين لا يشعرون بتحسن فعلي في أوضاعهم المعيشية، فمنذ تولي حزب العمال السلطة في عام 2024، ارتفع متوسط الأجور الأسبوعية المعدلة حسب التضخم باستثناء المكافآت بنسبة تقل عن 1% ليصل إلى 494 جنيهًا إسترلينيًا (651 دولارًا)، وفق بيانات مكتب الإحصاء البريطاني، وهو معدل لا يختلف كثيرًا عن وتيرة النمو منذ عام 2019.وفي الوقت نفسه، وصلت الضرائب إلى أعلى مستوياتها منذ عقود.وقال الخبير الاقتصادي البريطاني الرئيسي في شركة بوسطن كونسلتينغ غروب راول روباريل إن كل شيء في النهاية يعود إلى الاقتصاد، مشيرًا إلى أن الأداء الاقتصادي الضعيف في المملكة المتحدة يعزز الشعور العام بأن الأمور لا تتحسن.وبحسب الشبكة الأمريكية، فإن جميع القادة السياسيين، بمن فيهم ستارمر وسابقيه الأربعة، حددوا مشكلة النمو الضعيف باعتبارها التحدي الأساسي في البلاد، وجعلوا معالجتها أولوية قصوى، لكن تحقيق نمو اقتصادي قوي ظل أمرًا صعب المنال.وفي المقابل، ارتفع الدين الحكومي، ما ترك الحكومات المتعاقبة بقدرات محدودة للتعامل مع أزمات متراكمة مثل تدهور البنية التحتية وأزمة الإسكان المزمنة.

أسرار رحيل رؤساء الحكومة البريطانية.. 6 قادة خلال 7 سنوات

باحث: ستارمر خسر دعم حزبه بسرعة.. والاستقالة كانت نتيجة حتمية

ويؤكد روباريل أن وجود اقتصاد ينمو يمنح الحكومة مرونة أكبر للاستثمار وخفض الضرائب وتحسين الخدمات، بينما غياب النمو يجعل كل هذه الخيارات محدودة.وتشير بيانات شركة كابيتال إيكونوميكس إلى أن الناتج المحلي الإجمالي في المملكة المتحدة نما بنحو 1% سنويًا منذ يوليو 2016، وهو معدل ضعيف نسبيًا، كما أن نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي يعكس صورة مشابهة من الركود.وساهم هذا المناخ الاقتصادي المتشائم في فوز حزب العمال في انتخابات 2024، بعدما وعد الناخبين بالتغيير عقب 14 عامًا من حكم حزب المحافظين، وهي فترة شهدت أزمات متلاحقة شملت جائحة كورونا، والحرب في أوكرانيا، وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى سياسات تقشف بعد الأزمة المالية العالمية.وأفادت الشبكة الأمريكية بأن التغيير الموعود لم يتحقق بالسرعة المتوقعة، ما أدى إلى تراجع شعبية حكومة ستارمر وخسائر كبيرة لحزب العمال في الانتخابات المحلية الأخيرة، وهو ما اعتُبر مؤشرًا على تراجع الثقة الشعبية.

أزمات وتحديات تواجه رئيس الحكومة البريطانية الجديد

يرى خبراء اقتصاديون أن أي رئيس وزراء جديد سيواجه نفس التحديات الاقتصادية تقريبًا، إذ إن إصلاح النمو الاقتصادي يحتاج إلى وقت طويل وليس حلولًا سريعة.وتوضح نائبة كبير الاقتصاديين في كابيتال إيكونوميكس روث غريغوري أن الحكومة طرحت أفكارًا يمكن أن تدعم الاقتصاد على المدى الطويل، مثل زيادة الاستثمار وتشجيع بناء المساكن، لكنها تشير إلى أن سوء التنفيذ قد يقلل من أثر هذه السياسات.

أسرار رحيل رؤساء الحكومة البريطانية.. 6 قادة خلال 7 سنوات

نقابة المعلمين البريطانية تهاجم ستارمر: ادعاء إنهاء التقشف “غير دقيق”

كما يتوقع صندوق النقد الدولي أن ينمو الاقتصاد البريطاني بنسبة 0.8% فقط خلال العام الحالي، أي أقل بنصف نقطة مئوية من توقعاته السابقة، متأثرًا بارتفاع أسعار الطاقة نتيجة التوترات الجيوسياسية، ما يعكس حجم التحدي الاقتصادي المقبل.وحذرت رئيسة اتحاد الصناعات البريطانية راين نيوتن-سميث من أن التحديات الاقتصادية في بريطانيا لن تنتهي بتغيير رئيس الوزراء، مؤكدة أن الاقتصاد لن يصلح نفسه في ظل انكفاء السياسة على ذاتها، وأنه لا يمكن معالجة أزمة المعيشة دون التعامل مع تكاليف الأعمال أيضًا.وأضافت أن البلاد بحاجة ماسة إلى الاستقرار، وأن على رئيس الوزراء القادم التحرك بسرعة لطمأنة الشركات والمستثمرين، وحماية مستويات المعيشة، ووضع خطة نمو واضحة وقابلة للتنفيذ.

زيارة مصدر الخبر