أكد الدكتور خالد فهمي، وزير البيئة الأسبق والمدير التنفيذي لمركز البيئة والتنمية للإقليم العربي وأوروبا (سيداري)، أن ملف المياه يمثل نقطة الانطلاق الرئيسية لمذكرة التفاهم التي وقعها المركز مع معهد قبرص، بإعتبار أن المنطقة تواجه تحديا مائيا متزايدا يتفاقم بصورة مستمرة مع تداعيات التغيرات المناخية، مشددًا على ضرورة التحرك من الآن وعدم انتظار تفاقم الأوضاع، في ظل التصاعد الملحوظ في وتيرة التغيرات المناخية خلال السنوات الأخيرة، الأمر الذي يجعل قضية المياه من أكثر الملفات إلحاحًا وأولوية على مستوى المنطقة.
تداعيات التغيرات المناخية
وأوضح فهمي، فى تصريحات خاصة لوكالة أنباء الشرق الاوسط اليوم، أن التعاون بين الجانبين يستهدف بناء قاعدة علمية قوية لدعم إدارة الموارد المائية، تبدأ بإنشاء قاعدة بيانات إقليمية موحدة ترصد بدقة السواحل المهددة بالتحلل والتآكل نتيجة ارتفاع منسوب مياه البحر الأبيض المتوسط، بما يوفر معلومات دقيقة تساعد صناع القرار على التخطيط السليم واتخاذ الإجراءات المناسبة للتكيف مع هذه التحديات.وأضاف أن التعاون سيمتد أيضا إلى إدارة الأحواض المائية المشتركة، من خلال توفير استشارات علمية محايدة، وتقديم حلول هندسية وبيئية مستدامة للدول المطلة على حوض البحر المتوسط، بما يضمن إدارة مواردها المائية بكفاءة وتحقيق الاستفادة المشتركة منها، دون إحداث أي ضرر بالبلدان المجاورة، وهو ما يمثل أحد المحاور الرئيسية للتعاون العلمي الإقليمي خلال المرحلة المقبلة.وكشف فهمي أن المنطقة تمر بمرحلة من الفقر المائي الحاد، وهو ما يفرض ضرورة التركيز على نقل وتوطين التكنولوجيا الحديثة المرتبطة بالمياه، مشيرًا إلى أن التعاون مع معهد قبرص سيولي اهتمامًا خاصًا بتقنيات تحلية مياه البحر باستخدام الطاقة المتجددة، أو ما يعرف بالتحلية الخضراء الخالية من الانبعاثات، بما يسهم في خفض تكلفتها الاقتصادية والبيئية في الوقت نفسه، إلى جانب تعزيز تطبيقات الري الحديث، وعلى رأسها الري بالتنقيط الذكي، للحد من الفاقد المائي، خاصة أن قطاع الزراعة يستهلك وحده أكثر من 80% من الموارد المائية المتاحة، وهو ما يجعل تطوير أساليب الري أحد أهم أدوات تحقيق الأمن المائي في المنطقة.ونوه الدكتور خالد فهمى بأن طموحات “سيداري” من هذا التعاون تتجاوز تنظيم ورش العمل أو الأنشطة العلمية والفنية، موضحًا أن المركز يمثل بيت خبرة لوزراء البيئة العرب، وللمؤسسات العربية المعنية بالبيئة والتنمية، وهو ما يفرض عليه العمل باستمرار على توفير قنوات اتصال مباشرة بين الخبراء العرب والمؤسسات العلمية الدولية، والاستفادة من الخبرات المتراكمة لدى المراكز البحثية الرائدة.وأضاف أن “سيداري” لا يستهدف أن يكون جامعة أو معهدًا بحثيًا ينشئ بمفرده جميع الإمكانات العلمية، وإنما يقوم بدور المنسق والوسيط الذي يربط الخبراء العرب، والجامعات، ومراكز البحوث، ووزارات البيئة، والمؤسسات الحكومية المعنية، بالمؤسسات العلمية الدولية، بما يضمن انتقال المعرفة والخبرة بصورة مستمرة إلى المنطقة العربية.وأشار إلى أن هذا التعاون سيمكن الخبراء العرب من الاطلاع على أحدث المعارف الفنية والعلمية، والتعرف على المبادرات التي تنفذها المؤسسات البحثية في المنطقة، والاستفادة من قواعد البيانات والمعلومات الحديثة، بما يساعد على صياغة سياسات بيئية أكثر قوة وفاعلية، تستند إلى الأدلة العلمية وليس إلى التقديرات أو الاجتهادات.وشدد فهمي على أنه لا يمكن صياغة أي سياسات بيئية أو مناخية قابلة للتطبيق دون الاعتماد على أدلة علمية راسخة، مؤكدًا أن مراكز البحوث هي المصدر الأساسي لهذه الأدلة، ومن ثم فإن تعزيز التعاون بين سيداري ومراكز البحوث العربية والدولية يمثل محورًا رئيسيًا في استراتيجية عمل المركز خلال المرحلة المقبلة.وأضاف أن “سيداري” سيعمل على تمثيل الخبراء العرب داخل مجموعات العمل الإقليمية المتخصصة، خاصة المجموعات المعنية بملف المياه، بما يسمح بمشاركة الباحثين العرب في المناقشات الفنية، والاستفادة من الخبرات الدولية، وفي الوقت نفسه نقل الخبرات العربية إلى تلك المنصات العلمية، بما يحقق تبادلًا حقيقيًا للمعرفة والخبرة.وأوضح أن المركز يعمل أيضا على بناء آلية مستدامة تضمن وجود اتصال وثيق بين معاهد البحوث العربية ونظيراتها في المنطقة، إلى جانب ربطها بالوحدات المعنية داخل وزارات البيئة، ووزارات الموارد المائية والري، وغيرها من الجهات المسؤولة عن إعداد السياسات، حتى تكون تلك الجهات على اطلاع دائم بأحدث المخرجات العلمية والفنية، بما يساعدها على تطوير سياسات تستجيب للتحديات الحالية والمستقبلية.وأكد فهمي أن مصر تمثل نموذجا إقليميا متميزا في مجال التكيف مع آثار التغيرات المناخية، رغم ما تشهده المنطقة من تعقيدات جيوسياسية، مشيرًا إلى أن خصوصية منطقة شرق المتوسط تجعلها واحدة من أهم المناطق التي تشهد اختبارًا عمليًا للحلول المتعلقة بالتكيف مع تغير المناخ، وهو ما يضاعف أهمية أن تكون جميع الحلول والسياسات المطروحة قائمة على أسس علمية وبحثية قوية.ولفت الى أن مصر وقعت مؤخرا اتفاقية مع المفوضية الأوروبية للانضمام إلى البرنامج البحثي الأوروبي كشريك متساوٍ، وهو ما يفتح فرصًا كبيرة أمام المؤسسات والهيئات والمنظمات المصرية لإقامة شراكات علمية وبحثية مع المؤسسات الأوروبية، وتطوير استراتيجيات وحلول بيئية مستدامة تخدم منطقة شرق المتوسط بأكملها.واختتم المدير التنفيذى لسيدارى تصريحاته بالتأكيد أن المرحلة المقبلة تتطلب توسيع التعاون العلمي الإقليمي، والاستفادة من الشراكات الدولية في إنتاج المعرفة، وتبادل البيانات والخبرات، وتعزيز السياسات القائمة على الأدلة العلمية، باعتبارها السبيل الوحيد للتعامل مع التحديات المتسارعة التي تفرضها التغيرات المناخية، وفي مقدمتها تحديات المياه والأمن المائي في المنطقة.يُذكر أن مركز البيئة والتنمية للإقليم العربي وأوروبا (سيداري) وقع مؤخرا مذكرة تفاهم مع معهد قبرص برئاسة الدكتور ستافروس مالاس، رئيس المعهد، وبحضور الدكتور فادي قمير، أستاذ الهيدرولوجيا التطبيقية ومنسق فرقة العمل المعنية بالمياه بمبادرة تغير المناخ لشرق المتوسط والشرق الأوسط (EMME-CCI)، ورافاييلا بييوتي، مسؤولة الشؤون المؤسسية بمعهد قبرص، إلى جانب عدد من الخبراء والمسؤولين من الجانبين.كما أعلن المركز انضمامه رسميًا إلى التحالف العلمي الإقليمي لتغير المناخ، الذي يضم مؤسسات بحثية وجامعات ومراكز علمية من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وشرق المتوسط، بهدف تعزيز التعاون العلمي وتبادل المعرفة والبيانات، ودعم الدبلوماسية العلمية، وتطوير حلول مبتكرة للتحديات المناخية المشتركة، وفي مقدمتها أمن المياه، والتكيف مع تغير المناخ، والإدارة المستدامة للموارد الطبيعية، بما يعزز الربط بين البحث العلمي وصنع السياسات ويدعم جهود التنمية المستدامة في المنطقة.