ثقافة, جريدة الدستور 26 يونيو، 2026

في تاريخ الأمم لحظات فارقة لا تقاس بطول الزمن، وإنما بحجم ما تتركه من أثر، وفي مصر القديمة، يمثل العصر العتيق تلك اللحظة التي تحولت فيها فكرة الدولة الموحدة إلى واقع سياسي وإداري وحضاري، لتبدأ رحلة واحدة من أعظم الحضارات التي عرفها التاريخ.ورغم أن بعض الباحثين يضم الأسرات من الأولى حتى الثامنة إلى الدولة القديمة، فإن كثيرًا من المؤرخين يفصلون الأسرتين الأولى والثانية تحت مسمى “العصر العتيق”، باعتبارهما مرحلة التأسيس التي أرست قواعد الحكم والإدارة والكتابة والعمارة، ومهدت لظهور عصر الأهرامات لاحقًا.ويستعرض كتاب “معبد الكون.. صفحات من تاريخ مصر القديمة” للدكتورة عائشة محمود عبد العال، ملامح هذه المرحلة التي امتدت بين عامي 3150 و2700 قبل الميلاد، باعتبارها البداية الحقيقية للدولة المصرية المركزية. بدأت الأسرة الأولى بالملك عحا (حور عحا)، الذي خلف والده الملك مينا على العرش، وعمل على تثبيت أركان الدولة الجديدة، فأقام مقابر ملكية في كل من أبيدوس وسقارة، وحرص على تأمين الحدود الجنوبية وإخضاع القبائل الليبية والنوبية، كما شيد معبدًا للإلهة “نيت” في شمال البلاد لتأكيد وحدة القطرين سياسيًا ودينيًا.وسار خلفاؤه على النهج نفسه؛ فالملك جر واصل تأمين الحدود الجنوبية، وسجل انتصاراته في بلاد النوبة، بينما اهتم الملك جت باستغلال المناجم والمحاجر، تاركًا خلفه واحدة من أجمل اللوحات الحجرية التي ما تزال محفوظة في متحف اللوفر.أما الملك دن، فيعد من أبرز حكام الأسرة الأولى؛ إذ كان أول من حمل لقب “نسو بيتي” الذي يرمز إلى ملك مصر العليا والسفلى، كما اهتم بتأمين طرق التجارة، واستخرج النحاس من سيناء، وشهد عصره تطورًا ملحوظًا في الفنون والعمارة، واستخدام الجرانيت في البناء، إلى جانب تطور الفكر الديني والكتابة.وتشير الدراسة إلى أن الأسرة الأولى لم تنشغل فقط بتوسيع النفوذ، وإنما ركزت على بناء مؤسسات الدولة، فظهرت مناصب إدارية للإشراف على الري والضرائب، كما تطورت الألقاب الملكية التي أكدت وحدة الشمال والجنوب، إلى جانب الاهتمام بالمصاهرة مع الأسر الشمالية، والمشاركة في عبادة آلهة الدلتا لترسيخ الوحدة الوطنية.كما شهد العصر العتيق طفرة كبيرة في الكتابة، مع انتشار صناعة ورق البردي، واستخدام الأقلام والأحبار، وهو ما ساعد على تسجيل الأحداث والوثائق بصورة أكثر انتظامًا، ليصبح التدوين أحد أهم أدوات الإدارة في الدولة الوليدة.ومع نهاية الأسرة الأولى، دخلت مصر مرحلة جديدة بظهور الأسرة الثانية، وسط ترجيحات بحدوث صراع على العرش بعد وفاة آخر ملوك الأسرة الأولى.وتولى الحكم الملك حتب سخموي، الذي حمل اسمًا يعني “القوتان في سلام”، في إشارة إلى محاولة إنهاء النزاعات الداخلية بين الشمال والجنوب، بينما شهد عهد الملك نب رع بداية الارتباط الرسمي بين أسماء الملوك وعبادة الإله رع.لكن أخطر أحداث الأسرة الثانية تمثلت في عهد الملك بر إيب سن، الذي تخلى عن ولائه للإله حورس، واتخذ المعبود ست رمزًا له، في خطوة اعتبرها الباحثون ثورة دينية وسياسية عكست اضطرابات داخلية عاشتها البلاد.غير أن الملك خع سخم تمكن من إعادة الاستقرار، قبل أن يأتي خلفه خع سخموي، الذي نجح في إنهاء الانقسام بين الشمال والجنوب، واتخذ شعارًا يجمع بين حورس وست معًا، في رسالة تؤكد المصالحة والوحدة الوطنية.ويعد عهد خع سخموي نقطة تحول مهمة؛ إذ شهد توسعًا في استخدام الحجر في العمارة، واستقرارًا سياسيًا وفنيًا، كما تنسب إليه مقبرة ضخمة في أبيدوس، ويعد ابنه الملك زوسر مؤسس الأسرة الثالثة وصاحب الهرم المدرج، بما يجعل خع سخموي حلقة الوصل بين عصر التأسيس وعصر الدولة القديمة.وعلى الصعيد الخارجي، تكشف الدراسة عن شبكة واسعة من العلاقات الدولية نسجتها مصر منذ تلك الفترة المبكرة، حيث ارتبطت بعلاقات تجارية مع سوريا وفلسطين ولبنان، واستوردت أخشاب الأرز والزيوت والراتنج، كما أقامت علاقات مع العراق، تأثرت خلالها بعض الصناعات والعمارة بين الجانبين.وفي الجنوب، ارتبطت مصر بالنوبة عبر تجارة العاج والأبنوس، مع تنفيذ حملات لتأمين الطرق التجارية، بينما شهدت الحدود الغربية صدامات متكررة مع الليبيين، انتهت بطردهم من الدلتا في نهاية الأسرة الثانية.كما امتدت العلاقات التجارية إلى جزر البحر المتوسط واليمن، عبر البحر الأحمر ووادي الحمامات، وهو ما يعكس اتساع حركة التجارة المصرية منذ فجر التاريخ.ويؤكد الكتاب أن العصر العتيق لم يكن مجرد مرحلة انتقالية، بل كان عصر بناء الدولة المصرية بكل مؤسساتها، ففيه ترسخت فكرة الحكم المركزي، وتطورت الإدارة والكتابة والعمارة، وتأمنت الحدود، وانطلقت العلاقات الخارجية، لتصبح هذه المرحلة الأساس الذي قامت عليه الحضارة المصرية، قبل أن تدخل عصرها الذهبي مع ملوك الدولة القديمة وأهراماتها الخالدة.

زيارة مصدر الخبر