تفتح مصر صفحة جديدة في قطاع البترول والغاز بعد نجاحها في الوصول بمستحقات الشركاء الأجانب إلى نقطة الصفر، في خطوة تحمل دلالة اقتصادية واستثمارية كبيرة، وتعيد رسم خريطة الثقة بين الدولة والشركات العالمية العاملة في البحث والاستكشاف والإنتاج.
الدستور تبرز الصفر العظيم
وتبرز «الدستور» في هذا التقرير كيف تحول تصفير مستحقات الشركاء الأجانب من مجرد رقم مالي إلى رسالة ثقة قوية للأسواق العالمية، تؤكد قدرة الدولة المصرية على الوفاء بالتزاماتها، وتهيئة مناخ أكثر جذبًا للاستثمار في قطاع البترول والغاز، بما يدعم زيادة الإنتاج ويعزز أمن الطاقة.المستثمر العالمي حين يدرس ضخ أمواله في قطاع البترول والغاز، يضع أمامه أربعة مفاتيح رئيسية قبل اتخاذ القرار: الاستقرار السياسي والأمني، انتظام سداد الحقوق المالية، وجود بنية أساسية قوية، وتوافر اتفاقيات وحوافز تضمن جدوى الاستثمار، حيث تمثل هذه المفاتيح بوصلة القرار لدى الشريك الأجنبي، ومصر اليوم تقدم إجابات واضحة على هذه الأسئلة من واقع التجربة والتحرك العملي.وتمتلك الدولة المصرية قاعدة قوية في قطاع الطاقة، تبدأ من موقع جغرافي فريد يربط البحر المتوسط والبحر الأحمر وقناة السويس، وتمتد إلى شبكة واسعة من خطوط الأنابيب، ومحطات المعالجة، ومعامل التكرير، والموانئ، ومحطتي إسالة الغاز في إدكو ودمياط، إلى جانب سوق محلي كبير يحتاج الطاقة باستمرار ويدعم فرص النمو.ظل ملف مستحقات الشركاء الأجانب واحدًا من أكثر الملفات تأثيرًا في مسار الاستثمارات الجديدة داخل قطاع البترول والغاز، بعدما تراكمت هذه المستحقات عبر سنوات تحت ضغط ارتفاع الاستهلاك المحلي، وزيادة احتياجات الكهرباء والصناعة والنقل، إلى جانب التراجع الطبيعي في إنتاج بعض الحقول، في وقت كانت الدولة تعمل على تأمين احتياجات السوق المحلية من الزيت الخام والغاز والمنتجات البترولية.وتحمل مستحقات الشركاء أهمية خاصة، لأنها ترتبط مباشرة بدورة الإنتاج، فعندما يحصل الشريك على حقوقه في توقيت واضح، تزيد قدرته على تمويل برامج الحفر والتنمية والصيانة، ومع زيادة الحفر تدخل آبار جديدة على خريطة الإنتاج، وترتفع الكميات المحلية، وتتراجع الحاجة إلى الاستيراد، وينخفض الضغط على العملة الصعبة.في 30 يونيو 2024، وصلت مستحقات الشركاء الأجانب إلى نحو 6.1 مليار دولار، وهو رقم كبير ترك أثره على خطط بعض الشركات، ودفعها إلى مراجعة برامج الحفر والتنمية، ومن هنا أدركت الدولة أن استعادة الثقة المالية تمثل بداية حقيقية لاستعادة قوة الإنتاج، لأن رأس المال العالمي يتحرك نحو الأسواق الأكثر التزامًا ووضوحًا في السداد والعائد.وجاء التحرك المصري على أكثر من محور، ترتيب الأولويات المالية، التنسيق بين الحكومة ووزارة المالية والبنك المركزي، فتح قنوات مباشرة مع الشركاء العالميين، وربط السداد بخطط عمل واضحة لزيادة الإنتاج، كما لعب الدعم السياسي دورًا محوريًا في دفع الملف إلى نهايته، باعتبار الطاقة أحد أعمدة الأمن القومي الاقتصادي.ومع قيادة المهندس كريم بدوي لوزارة البترول والثروة المعدنية، اكتسب الملف زخمًا جديدًا قائمًا على سرعة الحركة، ومصارحة الشركاء، وتحويل السداد إلى أداة لجذب الاستثمار، ثم ربط الثقة الجديدة ببرامج حفر وتنمية في مناطق الإنتاج الرئيسية.وفي 10 يونيو 2026، جاء الإعلان الحاسم بوصول مستحقات الشركاء الأجانب في قطاع البترول والغاز إلى الصفر، هذا الإعلان مثل نقطة فاصلة في تاريخ القطاع، لأنه أنهى أكبر عائق نفسي ومالي أمام الشركات العالمية، وفتح الباب أمام مرحلة جديدة عنوانها: السداد المنتظم، الاستثمار المتجدد، وزيادة الإنتاج.وسرعان ما ظهرت مؤشرات إيجابية في الصحراء الغربية، حيث أعلن قطاع البترول إضافة نحو 12 ألف برميل يوميًا من الزيت الخام والمتكثفات في فترة قصيرة، وسجلت شركة خالدة للبترول، العاملة مع أباتشي الأمريكية، إضافة تتجاوز 10 آلاف برميل يوميًا، ما يؤكد أن الصحراء الغربية ما زالت تملك فرصًا قوية عند توفير الاستثمار والتكنولوجيا وسرعة التنفيذ.كما حققت الشركة العامة للبترول إضافة من منطقة أبو سنان بالصحراء الغربية بنحو 1500 برميل زيت خام يوميًا، إلى جانب مليون قدم مكعب غاز يوميًا، وهو ما يعكس قدرة الشركات الوطنية على رفع الإنتاج عند توافر الدعم الفني والتمويلي وخطط التشغيل الواضحة.وفي البحر المتوسط، تبدو الفرص أكثر اتساعًا مع اكتشافات واعدة وبرامج حفر لشركات عالمية كبرى، ويبرز اكتشاف Denise W-1 في منطقة تمساح قبالة بورسعيد، بتقديرات أولية تدور حول 2 تريليون قدم مكعب غاز و130 مليون برميل متكثفات، باعتباره أحد المؤشرات المهمة على استمرار جاذبية البحر المتوسط أمام الاستثمار العالمي.كما تتحرك شيفرون في منطقة نرجس مع شركائها لاستكمال أعمال الحفر والتقييم، إلى جانب برامج لشركات كبرى مثل شل وإيني وبي بي وإكسون موبيل في شرق وغرب المتوسط، وكل برنامج حفر جديد يحرك سلسلة اقتصادية واسعة تشمل شركات الخدمات، والحفارات، والموانئ، والنقل، والخدمات البحرية، والمهندسين والفنيين. وتعزز البنية الأساسية المصرية فرص الاستفادة من أي اكتشاف جديد، سواء داخل المياه المصرية أو في محيط شرق المتوسط، حيث تمثل محطات الإسالة وخطوط الربط والموانئ المصرية عنصر قوة يدعم دور مصر كمركز إقليمي للطاقة.

مدبولي: تحسن غير مسبوق في قطاع البترول بفضل سداد مستحقات الشركاء الأجانب

البترول تكشف تحركات مشبوهة لصهريج سولار وتفجر قضية تهريب كبرى
وتأتي خطة حفر 484 بئرًا استكشافيًا عبر خمس سنوات، باستثمارات تقارب 5.2 مليار دولار، بينها 101 بئر في عام 2026، لتؤكد أن تصفير المستحقات تحول إلى برنامج عمل، كما تعكس الاستثمارات العالمية المرتقبة، والتي تصل إلى نحو 16.7 مليار دولار عبر خمس سنوات، حجم الثقة الجديدة في السوق المصرية.