وسط كل أزمة وطنية مرت بها الدولة المصرية والمنطقة، برز نمط متكرر ارتبط بجماعة الإخوان الإرهابية يقوم على محاولة تحويل اللحظات الاستثنائية إلى فرص لتحقيق مكاسب تنظيمية وسياسية. فعلى مدار عقود، لم تقتصر تحركات الجماعة الإرهابية على التفاعل مع الأحداث بل سعت إلى توظيف تداعياتها عبر استثمار الفراغات التي تخلفها الحروب والكوارث والأزمات الاقتصادية والاضطرابات السياسية، بما يخدم توسعها التنظيمي ويعزز حضورها داخل المجتمع. وتكشف قراءة المحطات التاريخية الكبرى أن هذا النهج تكرر بأشكال مختلفة، مع تغير الظروف والأدوات، بينما ظل الهدف واحداً وهو تعظيم النفوذ التنظيمي على حساب استقرار الدولة ومؤسساتها.
من فلسطين إلى بناء النفوذ
مثلت القضية الفلسطينية عام 1948 واحدة من أبرز المحطات التي عززت حضور الجماعة الإرهابية في المجال العام فقد وظفت البعد الديني والعاطفي للقضية في توسيع نشاطها التنظيمي، كما ارتبطت تلك المرحلة بتعزيز الهياكل الخاصة داخل الجماعة الإرهابية وتوسيع دائرة الاستقطاب، الأمر الذي منحها حضوراً سياسياً وشعبياً أكبر داخل مصر وخارجها وحتى وقتنا هذا يحاولون المتاجرة بالقضية الفلسطينية من أجل مصالح التنظيم.
ولعل أبرز مثال على ذلك الوقفة الاحتجاجية التي نظمها الإخوان في تل أبيب في 2025 أمام السفارة المصرية واتهام الدولة المصرية بحصار قطاع غزة، على الرغم من أن الدولة المصرية هي التي تحمل على عاتقها مسئولية الحفاظ على القضية الفلسطينية ورفضت تهجير الفلسطينيين من أراضيهم ، وتتصدى للعدوان الإسرائيلي بكافة الطرق وأول من مد يد العون لتقديم المساعدات اللازمة لأهالى قطاع غزة، إلا أن مصلحة الجماعة الإرهابية تقتضى غض البصر عما يرتكبه الكيان الإسرائيلي في حق أهل غزة، ووقفوا في حماية الشرطة الإسرائيلية يهتفون ضد الدولة المصرية ويحاولون التقليل من دورها المحورى طوال السنوات الماضية في الحفاظ على القضية الفلسطينية بشهادة العالم أجمع وبالمواقف على أرض الواقع وليس الكلام.
نكسة يونيو وإعادة تقديم الخطاب
أحدثت هزيمة يونيو 1967 صدمة كبيرة في الشارع العربي، واستغلت الجماعة الإرهابية حالة الإحباط التي أعقبت النكسة لتقديم تفسير أيديولوجي للهزيمة يقوم على الربط بين التراجع العسكري والابتعاد عن الدين. وأسهم هذا الخطاب في إعادة انتشار أفكارها داخل الجامعات والنقابات خلال سبعينيات القرن الماضي، مستفيدة من التحولات السياسية والاجتماعية التي شهدتها تلك الفترة.
زلزال 1992 وبناء النفوذ الخدمي
شكل زلزال القاهرة عام 1992 محطة بارزة في توسيع النشاط المجتمعي للجماعة الإرهابية، إذ تحركت جمعيات ونقابات كان لها حضور داخلها لتقديم المساعدات والإغاثة بصورة سريعة، مستفيدة من حجم الكارثة الكبير. وأسهم ذلك في تعزيز حضورها داخل بعض الشرائح الاجتماعية، وترسيخ نموذج يعتمد على تقديم الخدمات بما يحقق نفوذاً تنظيمياً أوسع.
أحداث يناير واستغلال السيولة السياسية
مع اندلاع أحداث يناير 2011 وما تبعها من اضطرابات سياسية وأمنية استفادت الجماعة الإرهابية من امتلاكها تنظيماً أكثر تماسكا مقارنة بالقوى السياسية الأخرى، ما مكنها من توسيع حضورها في المشهد السياسي خلال المرحلة الانتقالية، وصولا إلى تحقيق مكاسب انتخابية وسياسية قبل أن تدخل لاحقا في صدام واسع مع مؤسسات الدولة وقطاعات من المجتمع.
آليات متكررة في إدارة الأزمات
اعتمدت الجماعة الإرهابية وفق العديد من الدراسات والتحليلات على مجموعة من الآليات التي تكررت في أكثر من محطة تاريخية، من أبرزها استغلال الأنشطة الإغاثية والخدمية لتوسيع قاعدة المؤيدين، وتوظيف خطاب المظلومية في تعزيز التماسك الداخلي، وعقد تحالفات مرحلية خلال فترات الاضطراب لتحقيق مكاسب سياسية، إضافة إلى السعي لتعزيز النفوذ داخل النقابات وبعض مؤسسات المجتمع المدني باعتبارها منصات للتأثير المجتمعي.
تكشف المحطات التاريخية الممتدة من أربعينيات القرن الماضي وحتى العقد الثاني من الألفية الجديدة عن نمط متكرر من السعي لاستثمار التحولات الكبرى والأزمات العامة في تعزيز الحضور التنظيمي. ومع تزايد الوعي المجتمعي بطبيعة هذا النهج، أصبحت قدرة أي تنظيم سياسي على توظيف الأزمات لتحقيق مكاسب خاصة تواجه تدقيقا أكبر من الرأي العام، الذي بات أكثر حساسية تجاه أي محاولة لربط الأزمات الوطنية بأهداف تنظيمية ضيقة.