ثقافة, جريدة الدستور 10 أغسطس، 2026

أكد الناقد د. إيهاب بديوي، أن قصص مجموعة “المغفلون السبعة”، للكاتب فرحات جنيدي تعتمد قصص على اقتصاد واضح في البناء، فالأحداث تبدأ غالبًا من نقطة توتر مرتفعة، دون مقدمات طويلة أو شروح تمهيدية. 

الكاتب يؤمن بأن القصة القصيرة لا تحتمل الاستطراد

ولفت “بديوي” خلال مناقشة المجموعة: ويبدو أن الكاتب يؤمن بأن القصة القصيرة لا تحتمل الاستطراد، لذلك يدخل مباشرة إلى قلب الأزمة، ثم يترك الحدث يتصاعد حتى يبلغ ذروته قبل أن ينتهي بضربة سردية حاسمة.وتتكرر هذه التقنية في عدد كبير من القصص، بحيث تصبح جزءًا من هوية الكاتب السردية. فالنهاية ليست خاتمة للأحداث بقدر ما هي إعادة تفسير لما سبقها، وهو ما يمنح كثيرًا من النصوص أثرها النفسي الممتد بعد انتهاء القراءة.ويُلاحظ كذلك أن الكاتب يفضّل البناء الدائري؛ إذ تنتهي بعض القصص عند النقطة التي بدأت منها معنويًا، ولكن بعد أن يكون الوعي قد تغيّر، وهو ما يمنح النص عمقًا دلاليًا دون الحاجة إلى تعقيد البناء.وواصل “بديوي”: يقدّم فرحات جنيدي شخصياته باعتبارها نماذج نفسية معقدة، وكذلك باعتبارها بؤرًا دلالية تحمل فكرة أو موقفًا أو قيمة. ولهذا تبدو الشخصيات، في كثير من الأحيان، أكبر من أسمائها الفردية.فالمرأة في «نسور بلا أجنحة» ليست امرأة بعينها، وإنما صورة للأرض والكرامة والذاكرة الجمعية. أما الراوي في القصة نفسها فيتحول إلى تجسيد لسلطة الكذب وصناعة الوعي الزائف. وفي «الشاحنة 17» يصبح خالد رمزًا للتضحية الفردية التي تنقذ الجماعة، بينما يتحول الطفل في «شعائر» إلى ضمير أخلاقي يعيد مساءلة الطقوس عندما تنفصل عن معناها.هذا الميل إلى تحويل الشخصية إلى رمز يمنح النصوص طاقة تأويلية واسعة، لكنه يضعف أحيانًا الجانب النفسي للشخصية، إذ تصبح الفكرة أكثر حضورًا من الإنسان نفسه.

بديوي: التنقل بين مستويات سردية متعددة أبرز نقاط قوة المجموعة

وأكد “بديوي”: من أبرز نقاط القوة في المجموعة قدرتها على التنقل بين مستويات سردية متعددة دون أن تفقد هويتها العامة؛ فهناك قصص تعتمد على الاقتصاد اللغوي، وأخرى تقترب من السرد الملحمي، وثالثة تمزج الواقعي بالرمزي في بناء دلالي مفتوح. كما يمتلك الكاتب قدرة واضحة على صناعة المشهد البصري، وتكثيف اللحظة الدرامية، وبناء نهايات تظل عالقة في ذهن القارئ، إضافة إلى لغة تمتاز بالحيوية والإيقاع والصور الشعرية.وتكشف المجموعة كذلك عن وعي فني بتعدد أشكال القصة القصيرة؛ فهي تتراوح بين القصة التقليدية، والومضة، والقصة الرمزية، والقصة الوثائقية، وهو تنوع يمنح العمل ثراءً ويؤكد مرونة أدوات الكاتب.وأردف: فالمؤلف يكتب من موقع صاحب رسالة فكرية، ويمنح الموقف الإنساني أولوية على الحياد الفني، وهو اختيار مشروع ما دام يحافظ على الحد الأدنى من البناء السردي، وهو ما يتحقق في معظم نصوص المجموعة.في المحصلة، تمثل المغفلون السبعة خطوة متقدمة في مشروع فرحات جنيدي القصصي، وتكشف عن كاتب يمتلك رؤية واضحة للعالم، وقدرة على توظيف السرد في مساءلة الواقع وإثارة الأسئلة الكبرى، دون أن يتخلى عن عنصر التشويق أو عن حسه الدرامي. وهي مجموعة تؤكد أن القصة القصيرة لا تزال قادرة على أن تكون أداة للتأمل والمقاومة وكشف زيف الواقع، وأنها تستطيع، حين تمتلك رؤية وأداة، أن تجمع بين المتعة الفنية والعمق الفكري في آن واحد.

زيارة مصدر الخبر