اليوم السابع, مقالات 12 أغسطس، 2026

إذا كانت المصلحة الجمعية داخل التحالف تعاد صياغتها بما يسمح لها بمواكبة التحولات المتسارعة في البيئة الدولية، عبر مراحل تناولناها في المقال السابق، يأتي في مقدمتها تفكيك القضايا لاكتشاف مساحات التقاطع، وتحويل الأدوار المتباينة للدول الأعضاء إلى مكونات للفعل الجماعي، إلى جانب تحول دور قيادة التحالف من صياغة الهدف الجامع وتحمل الجزء الأكبر من أعباء تحقيقه إلى تنظيم الترابط بين هذه الأدوار، فإن السؤال الذي يطرح نفسه لا يقتصر على كيفية توزيع الأدوار بين أعضاء التحالف، وإنما يمتد إلى مدى قدرته على تحويل الأبعاد المتقاطعة في مصلحته الجمعية إلى قدرة قابلة للتشغيل من أجل تحقيق أهدافه.

وتتكون القدرة الجمعية، في هذا الإطار، من الإمكانات التي تقرر الدول الأعضاء تخصيصها لتحقيق المصلحة المشتركة، وفقا لحساباتها السيادية ومصالحها الوطنية، ثم قدرة التحالف على تنظيم هذه الإمكانات وتشغيلها ضمن فعل مترابط، ومن هنا تنشأ المعضلة الرئيسية، والتي تدور في جوهرها حول ما إذا كانت الدول مستعدة لتخصيص قدرات يكفي مجموعها، بعد تنسيقها، لتحقيق الهدف المنشود، أم تظل مساهماتها خاضعة لحسابات المكسب والخسارة على نحو يخلق فجوة بين الهدف المتفق عليه والقدرة المتاحة لتنفيذه، وهو الطرح الذي تتزايد أهميته بصورة كبيرة، بعدما لم تعد كلفة المشاركة تقتصر على إصدار بيانات التأييد السياسي للعمليات التي تنفذها القوى الكبرى، كما كان يحدث عندما كانت هذه القوى تتحمل الجزء الأكبر من الأعباء العسكرية والمالية واللوجستية.

وتبدو المعضلة هنا مركبة، فمن جانب، قد يؤدي القرار السيادي لكل دولة بشأن حجم ونوع ما تخصصه من إمكانات إلى عجز مجموع القدرات المتاحة عن تلبية متطلبات الهدف الجمعي، ومن جانب آخر، يواجه التحالف، بوصفه كيانا جامعا، تحديا يرتبط بتنسيق ما خصصته الدول الأعضاء وتحويله إلى فعل متكامل، خاصة مع تفضيل غالبية الدول تجنب الأدوار العسكرية أو التمويلية، وقبولها في المقابل بأدوار لوجستية أو استخباراتية أو دبلوماسية.

ولا تكمن المشكلة في هذا التباين في حد ذاته، وإنما في احتمال ألا توفر المساهمات المخصصة جميع الوظائف اللازمة لتحقيق الهدف، أو ألا ينجح التحالف في تنظيم الترابط بينها، فتظل مجموعة من الأدوار المتجاورة من دون أن تتحول إلى قدرة جمعية مكتملة.

الطرح السابق يضع التحالفات أمام معضلة حقيقية تتصل، في جوهرها، بمفهوم الاستدامة، التي تقوم على عنصرين رئيسيين: الفاعلية، بما تعنيه من قدرة التحالف على تحقيق أهدافه، والتماسك، بما يتطلبه من الحفاظ على ارتباط الدول الأعضاء به واستمرار التزامها بمصلحته الجمعية، فالضغط على الدول لزيادة مساهماتها من دون مراعاة قراراتها السيادية وحساباتها الوطنية قد يضعف التزامها بالهدف المشترك، خاصة أن المصلحة الوطنية لكل دولة لا تتقاطع بالضرورة إلا مع أبعاد محددة من المصلحة الجمعية، وهو ما قد يهدد تماسك التحالف، وفي المقابل، يظل نقص القدرات المخصصة عائقا أمام تحقيق الهدف، بما يقوض فاعليته.

ومن ثم، لا تقتصر استدامة التحالف على تحقيق التوافق بين أعضائه أو توفير القدرات اللازمة للفعل، وإنما تتوقف على قدرته على توظيف الإمكانات المتاحة لإنتاج فعل كافٍ لتحقيق الهدف، من دون أن تتحول متطلبات هذا الفعل إلى مصدر لإضعاف تماسكه.

وفي هذا السياق، لا يبدو التوزيع التقليدي للأعباء كافيا لمعالجة المعضلة، لأنه ينطلق في الغالب من مطالبة الدول بزيادة حجم مساهماتها، من دون التمييز بين ما تمتلكه من إمكانات وما تقبل، بقرارها السيادي، وضعه في خدمة التحالف، فالقوة التي تمتلكها الدول على نحو منفرد لا تتحول تلقائيا إلى قدرة جمعية، كما أن ارتفاع الإنفاق أو تعدد المساهمات لا يضمنان اكتمال الوظائف اللازمة للمهمة، ما لم تندرج هذه المساهمات ضمن تصور يحدد متطلبات الهدف، والفجوات القائمة، والأدوار القادرة على سدها.

ومن هنا، لا ينبغي أن ينصرف إصلاح القدرة الجمعية إلى زيادة مساهمات الدول في المطلق، وإنما إلى بناء آلية تسمح للتحالف بتحديد الوظائف اللازمة لكل هدف، وحصر ما تقبل الدول تخصيصه من إمكانات، ثم الكشف عن الفجوة بين الاثنين والبحث عن الوسيلة المناسبة لسدها.

وتقوم آلية إنتاج القدرة الجمعية على عدة مسارات، أولها تفكيك الهدف المتفق عليه إلى مجموعة من الوظائف العسكرية والمالية واللوجستية والاستخباراتية والدبلوماسية اللازمة لتحقيقه، ثم، في مسار آخر، الانتقال إلى تحديد القدرات التي تقبل كل دولة تخصيصها لكل وظيفة، وليس فقط ما تمتلكه منها، وصولا إلى بناء خريطة تكشف الوظائف التي غطتها مساهمات الأعضاء، وتلك التي بقيت من دون قدرات كافية، وبذلك ينتقل تقدير القدرة الجمعية من جمع الموارد الوطنية المتاحة نظريًا إلى قياس مدى اكتمال الوظائف الضرورية وقابليتها للعمل في إطار مترابط.

ولا يتطلب إصلاح القدرة الجمعية إلزام الدول مسبقا بالمشاركة، وإنما بناء خريطة متجددة لما يمكن أن تخصصه من قدرات، والشروط التي تحكم إتاحتها، بما يسمح للتحالف بتقدير قدرته الفعلية، وكشف مواطن العجز مبكرا، وإعادة توزيع الأدوار أو مواءمة نطاق المهمة مع الإمكانات المتاحة، وهو ما يمثل تحولا في طريقة عمل التحالفات، التي اعتادت صياغة أهدافها في ظل اعتماد كبير على عدد محدود من الأعضاء لتحمل الأعباء الرئيسية، بحيث تصبح دراسة القدرة القابلة للتخصيص جزءا من عملية تحديد الهدف ونطاقه ووسائل تحقيقه، بدلًا من البحث عنها بعد اعتماده.

ولا يعني ظهور فجوة في إحدى الوظائف الانتقال مباشرة إلى مطالبة جميع الدول بزيادة مساهماتها، وإنما يقتضي أولا إعادة تنظيم ما جرى تخصيصه، واستكشاف إمكان توزيع الوظائف غير المغطاة على الدول الأكثر قدرة واستعدادا لأدائها، مقابل توسيع أدوار الدول الأخرى في المجالات التي تتلاءم مع مصالحها وإمكاناتها مما يتيح بناء مساهمة غير متماثلة بين الأعضاء، لكنها متكاملة على مستوى التحالف، بحيث لا تتحدد عدالة توزيع الأعباء بتساوي حجم المساهمات، وإنما بمدى إسهام كل منها في اكتمال القدرة المطلوبة.

غير أن قدرة التحالف على إعادة تنظيم مساهمات أعضائه تظل محدودة بما تقبل الدول تخصيصه بقرارها السيادي، وهو ما يعني أن بعض الوظائف الضرورية قد تبقى من دون تغطية، حتى بعد بلوغ أقصى درجات التنسيق الداخلي. وعند هذه النقطة، لا يعود السؤال متعلقًا بكيفية توزيع الأعباء داخل التحالف فحسب، وإنما بمدى إمكان توسيع مصادر قدرته إلى خارج حدود عضويته، وما إذا كان ذلك يمثل امتدادًا للقدرة الجمعية أم خروجا عليها.

وهنا يمكننا القول بأن القدرة الجمعية لا تقاس بمجموع ما تمتلكه دول التحالف من موارد، وإنما بمدى ما تقبل تخصيصه منها، وبقدرة التحالف على تحويله إلى وظائف مكتملة ومترابطة، ومن ثم، يرتبط إصلاح هذه القدرة بالانتقال من قياس المشاركة بحجم الأعباء إلى قياسها بمدى إسهام كل دولة في اكتمال الفعل، بما يسمح بالحفاظ على فاعلية التحالف من دون تجاوز الحدود التي تفرضها سيادة أعضائه وضرورة الحفاظ على تماسكه.

 

 

إقرأ أيضا

التحالفات الدولية.. معضلة إنتاج المصلحة الجمعية

التحالفات الدولية.. من وحدة الهدف إلى تقاطع المصالح

زيارة مصدر الخبر