في 15 أغسطس 1914، افتتحت قناة بنما رسمياً أمام حركة الملاحة، بعد سنوات من العمل في واحد من أضخم مشاريع الهندسة والبناء في مطلع القرن العشرين.
وربطت القناة، التي شيدتها الولايات المتحدة عبر برزخ بنما، بين المحيطين الأطلسي والهادئ، لتختصر على السفن مسافات طويلة كانت تضطر إلى قطعها حول الطرف الجنوبي لأمريكا الجنوبية.
وجاء افتتاح القناة بمرور السفينة الأمريكية “أنكون”، وهي سفينة شحن وركاب، لتبدأ مرحلة جديدة في حركة التجارة والملاحة العالمية.
حلم بدأ في القرن التاسع عشر
ارتبطت فكرة إنشاء قناة عبر برزخ بنما بالتوسع الأمريكي نحو الساحل الغربي، ولا سيما بعد تدفق المستوطنين إلى كاليفورنيا وأوريغون في منتصف القرن التاسع عشر، وفي عام 1855، أنجزت الولايات المتحدة خطًا للسكك الحديدية عبر برزخ بنما، الذي كان آنذاك جزءًا من كولومبيا، ما عزز الاهتمام بإنشاء ممر مائي يربط المحيطين.
وفي وقت لاحق، حصل رجل الأعمال الفرنسي فرديناند دي ليسبس، الذي ارتبط اسمه بإنجاز قناة السويس، على حقوق إنشاء قناة في بنما. وبدأ العمل عام 1881، إلا أن المشروع واجه صعوبات هائلة، بينها سوء التخطيط وانتشار الأمراض الاستوائية والمشكلات المالية، وانتهى الأمر بإفلاس الشركة الفرنسية عام 1889.
الولايات المتحدة تتولى المشروع
مع بداية القرن العشرين، أصبح إنشاء قناة عبر برزخ بنما هدفًا استراتيجيًا للولايات المتحدة، خصوصًا مع توسع نفوذها الدولي ورغبتها في تسهيل انتقال السفن التجارية والعسكرية بين المحيطين، وفي عام 1902، أقر الكونغرس الأمريكي شراء أصول الشركة الفرنسية، وخصص تمويلًا لاستكمال المشروع، لكن الاتفاق مع كولومبيا واجه أزمة بعد رفض مجلس الشيوخ الكولومبي المعاهدة المقترحة.
استقلال بنما يمهد الطريق
في عام 1903، اندلعت حركة استقلال بنما عن كولومبيا، وحصلت الحركة على دعم أمريكي. وفي 3 نوفمبر 1903، أعلنت بنما استقلالها.
وبعد أيام، اعترفت الولايات المتحدة بالدولة الجديدة، وفي 18 نوفمبر من العام نفسه وُقعت معاهدة هاي-بوناو فاريلا، التي منحت الولايات المتحدة حقوقًا واسعة وحصرية في منطقة قناة بنما مقابل تعويضات مالية، وأثارت المعاهدة انتقادات داخل بنما، إذ اعتبرها كثير من البنميين انتقاصًا من سيادة بلادهم.
مشروع هندسي ضخم
بدأ المهندسون الأمريكيون العمل على تطوير مشروع القناة خلال السنوات التالية، مع التركيز على إنشاء البنية التحتية ومكافحة الأمراض الاستوائية التي كانت تمثل خطرًا كبيرًا على العمال.
وبحلول عام 1909، بدأ البناء الفعلي على نطاق واسع. ونقل العمال والمهندسون نحو 240 مليون ياردة مكعبة من التربة، بينما بلغت تكلفة المشروع نحو 400 مليون دولار.
وامتدت القناة لنحو 40 ميلًا، أو نحو 51 ميلًا عند احتساب الأجزاء البحرية التي جرى تعميقها عند طرفيها، لتصبح واحدة من أبرز الإنجازات الهندسية في عصرها.
انتقال القناة إلى بنما
وبعد عقود من السيطرة الأمريكية، تصاعدت المطالب البنمية بإعادة السيادة على القناة، وفي عام 1977، وقع الرئيس الأمريكي جيمي كارتر والزعيم البنمي عمر توريخوس اتفاقيات جديدة مهدت لتسليم القناة إلى بنما.
وفي 31 ديسمبر 1999، انتقلت إدارة قناة بنما رسميًا إلى بنما في عملية سلمية، لتنتهي بذلك عقود من الإدارة الأمريكية للممر المائي الذي أصبح أحد أهم طرق التجارة العالمية.