في عالم تتزايد فيه ضغوط الحياة اليومية أصبح النوم كأنه خيار قابل للتأجيل، بينما يُنظر إلى التوتر باعتباره أمرًا لا مفر منه، غير أن هذه المعادلة تحمل مخاطر حقيقية، خاصة لدى مرضى الصرع، إذ يمكن لكلا العاملين أن يدفعا الدماغ بصمت نحو نوبات خطيرة، حسبما أفاد تقرير موقع “تايمز أوف انديا”.
يحذر أطباء الأعصاب من نمط واضح لكنه غالبًا ما يُغفل عنه وهو قلة النوم وارتفاع مستويات التوتر، فهما، لا يؤثران فقط على الحالة النفسية، بل يمتدان إلى تغيير طريقة عمل الدماغ وسلوك خلاياه العصبية، مما يزيد من قابلية حدوث النوبات، ويؤكد الأطباء أن هذه العلاقة، رغم شيوعها، لا تحظى بالتشخيص الكافي، ما يخلق فجوة في التعامل مع المرض.
النوم.. عملية إصلاح حيوية للدماغ
خلافاً للاعتقاد الشائع، لا يُعد النوم مجرد فترة راحة، بل هو عملية نشطة يعيد خلالها الدماغ ضبط نشاطه الكهربائي وتنظيم توازنه الكيميائي، وعندما يُحرم الجسم من النوم الكافي، يختل هذا التوازن، ويصبح الدماغ أكثر عرضة للاستثارة.
وتشير أبحاث طبية إلى أن الحرمان من النوم يُخفض ما يُعرف بـ”عتبة النوبات”، أي أن الدماغ يحتاج إلى محفز أقل لإطلاق نشاط كهربائي غير طبيعي، بل إن ليلة واحدة من السهر قد تكون كافية لزيادة خطر النوبات، وهو ما يفسر ارتباطها أحيانًا باضطراب مواعيد النوم.
التوتر.. تأثير يتجاوز الحالة النفسية
لا يقتصر تأثير التوتر على الشعور بالقلق، بل يمتد إلى تغييرات فسيولوجية تشمل ارتفاع هرمون الكورتيزول، واضطراب ضربات القلب، وتدهور جودة النوم، وفي الدماغ، تتغير كيمياء النواقل العصبية، ما يجعل الخلايا أكثر حساسية ويزيد احتمالات حدوث خلل في الإشارات.
وتشير دراسات طبية إلى أن التوتر يُعد من أبرز المحفزات لنوبات الصرع، إلا أنه غالبًا ما يمر دون ملاحظة بسبب طبيعته التراكمية، الناتجة عن ضغوط العمل، والإجهاد العاطفي، وقلة الراحة.
حلقة مفرغة تفاقم الحالة
الأخطر أن قلة النوم والتوتر لا يعملان بشكل منفصل، بل يدخلان في حلقة مفرغة، فالنوم غير الكافي يزيد التوتر، والتوتر بدوره يعيق النوم، ومع استمرار هذه الدائرة، قد تتراجع السيطرة على النوبات حتى مع الالتزام بالعلاج الدوائي، ما يربك المرضى ويدفعهم للبحث عن حلول أخرى.
محفزات يومية غير ملحوظة
كثير من العوامل التي تزيد خطر النوبات تبدو عادية في ظاهرها، مثل استخدام الشاشات قبل النوم، أو الإفراط في الكافيين، أو عدم انتظام مواعيد تناول الوجبات، كما أن توقيت النوم لا يقل أهمية عن مدته، إذ أن اضطراب الساعة البيولوجية قد يخل بتوازن الدماغ، ومع تراكم الإرهاق، قد لا تظهر الأعراض فورًا، لكن الخطر يتزايد تدريجيًا حتى يظهر بشكل مفاجئ.
خطوات بسيطة تصنع فرقًا
يشدد الخبراء على أن السيطرة على الصرع لا تعتمد على الأدوية فقط، بل تتطلب عادات نمط حياة داعمة لصحة الدماغ.. ومن بين التوصيات الأساسية:
– الحفاظ على نوم منتظم يتراوح بين 7 و9 ساعات يوميًا.
– تقليل استخدام الشاشات خاصة قبل النوم.
– إدارة التوتر عبر تقنيات الاسترخاء مثل التأمل والتنفس العميق.
– الحد من استهلاك الكافيين، خاصة في المساء.
– مراقبة الأنماط اليومية المرتبطة بحدوث النوبات.
ورغم بساطة هذه الإجراءات، فإن الالتزام بها يمكن أن يُحدث فرقًا ملموسًا في تقليل المخاطر.