تراجع القدرة على الحركة لا يحدث فجأة، بل يبدأ تدريجيًا مع ضعف عضلات الساقين واختلال التوازن وفقدان المرونة مع التقدم في العمر. وبينما يظن كثيرون أن اللياقة ترتبط فقط بالمشي أو حمل الأوزان، يرى مختصون أن أبسط الحركات اليومية قد تكشف مبكرًا مستوى كفاءة الجسم وقدرته على الحفاظ على الاستقلالية مع الشيخوخة.
وفقًا لتقرير نشره موقع Health، فإن اختبار الجلوس والنهوض من الكرسي خلال 30 ثانية أصبح من الوسائل الشائعة التي يستخدمها المتخصصون لتقييم قوة الجزء السفلي من الجسم، وقياس التوازن والقدرة الحركية، خاصة لدى كبار السن أو الأشخاص المعرضين لخطر السقوط المتكرر.
كيف يعمل هذا الاختبار البسيط؟
الفكرة تعتمد على حساب عدد المرات التي يستطيع فيها الشخص الوقوف الكامل من على كرسي ثم العودة للجلوس خلال نصف دقيقة فقط، دون الاستناد إلى اليدين أو طلب المساعدة من أي شخص آخر. ورغم أن الحركة تبدو سهلة، فإنها في الحقيقة تحتاج إلى تناغم دقيق بين العضلات والمفاصل والجهاز العصبي.
ولإجراء الاختبار بصورة صحيحة، يُستخدم كرسي ثابت بارتفاع مناسب ومن دون مساند جانبية، مع إبقاء القدمين ثابتتين على الأرض وتشبيك الذراعين أمام الصدر طوال مدة التمرين. بعد ذلك يبدأ الشخص بالوقوف والجلوس بأسرع وتيرة يستطيع الحفاظ عليها بشكل آمن.
لماذا يهتم الأطباء بهذه النتيجة؟
القدرة على النهوض المتكرر من الكرسي ترتبط مباشرة بصحة عضلات الفخذين والساقين وأسفل الجسم عمومًا، وهي العضلات المسؤولة عن المشي وصعود الدرج والحفاظ على الاتزان أثناء الحركة. وعندما تضعف هذه المنطقة، يصبح الجسم أكثر عرضة لفقدان التوازن والإصابات الخطيرة الناتجة عن السقوط.
كما تشير دراسات حديثة إلى أن الأداء الجيد في هذا الاختبار قد يرتبط بحالة صحية أفضل على المدى الطويل، إذ لوحظ أن الأشخاص الأكثر قدرة على أداء التكرارات يتمتعون غالبًا بمعدلات نشاط أعلى، وحركة يومية أفضل، ومخاطر أقل لبعض المشكلات المزمنة المرتبطة بالتقدم في العمر.
الأرقام الطبيعية تختلف حسب العمر
نتائج الاختبار لا تكون واحدة عند جميع الأشخاص، لأن العمر والجنس ومستوى النشاط البدني تؤثر بشكل واضح على الأداء.
وتوضح البيانات المرجعية أن النساء بين 60 و64 عامًا يستطعن غالبًا تنفيذ ما بين 12 و17 مرة تقريبًا خلال 30 ثانية، بينما يسجل الرجال في العمر نفسه معدلات أعلى قليلًا تتراوح بين 14 و19 مرة.
ومع التقدم في السن تبدأ الأرقام بالتراجع تدريجيًا، وهو أمر طبيعي يعكس الانخفاض التدريجي في الكتلة العضلية والقدرة الحركية. أما لدى الأشخاص فوق التسعين، فقد تصبح الأرقام أقل بكثير مقارنة بالمراحل العمرية الأصغر.
وفي المقابل، أظهرت أبحاث أخرى أن البالغين الأصحاء في العشرينيات والثلاثينيات يمكنهم تجاوز الثلاثين حركة خلال المدة نفسها، ما يعكس الفارق الكبير في القوة والتحمل العضلي بين الأعمار المختلفة.
ما الذي قد تكشفه النتيجة المنخفضة؟
عندما يسجل الشخص أرقامًا أقل بوضوح من المعدلات المتوقعة لعمره، فقد يشير ذلك إلى وجود ضعف في القوة العضلية أو خلل في التوازن أو انخفاض في اللياقة الوظيفية. كما يمكن لبعض المشكلات الصحية أن تؤثر على النتيجة، مثل آلام المفاصل، والخمول المزمن، وأمراض الأعصاب، والسمنة، وقلة النشاط اليومي.
ولا يعني ذلك بالضرورة وجود مرض خطير، لكنه قد يكون مؤشرًا مبكرًا على الحاجة لتحسين نمط الحركة والاهتمام بصحة العضلات قبل ظهور مضاعفات أكبر.
السقوط عند كبار السن ليس أمرًا بسيطًا
الأطباء ينظرون إلى السقوط باعتباره من أخطر المشكلات المرتبطة بالتقدم في العمر، لأنه قد يؤدي إلى كسور خطيرة وفقدان الاستقلالية وصعوبة الحركة لفترات طويلة. لذلك تُستخدم اختبارات مثل الجلوس والوقوف لرصد التغيرات الحركية قبل حدوث الإصابات.
وتزداد احتمالات التعثر والسقوط عندما تتراجع قدرة الجسم على التحكم في الحركة أو تصبح العضلات غير قادرة على دعم المفاصل بشكل كافٍ أثناء المشي أو تغيير الاتجاه.
كيف يمكن تحسين الأداء مع الوقت؟
الخبر الجيد أن العضلات تستجيب للتدريب حتى في الأعمار المتقدمة. وتشير أبحاث متخصصة إلى أن تمارين القوة المنتظمة قد ترفع القدرة الحركية بصورة ملحوظة خلال أسابيع قليلة فقط.
ومن الوسائل المفيدة تكرار حركة الجلوس والوقوف عدة مرات يوميًا داخل المنزل، لأن هذا التمرين يدرب العضلات مباشرة على الحركة المطلوبة في الاختبار.
كما يساعد التركيز على تقوية الفخذين وعضلات المؤخرة والخلفية للفخذ في تحسين الثبات أثناء الوقوف والمشي. ويمكن الاستفادة من تمارين القرفصاء والاندفاع الأمامي وأشرطة المقاومة لتحقيق ذلك بصورة تدريجية وآمنة.
عضلات البطن والتوازن عنصران أساسيان
الحفاظ على قوة الجذع لا يقل أهمية عن تقوية الساقين، لأن عضلات البطن وأسفل الظهر تساعد على تثبيت الجسم أثناء الحركة. ولهذا ينصح المختصون بإضافة تدريبات التوازن وتمارين التحكم الحركي ضمن الروتين الأسبوعي.
كما أن بعض الأنشطة مثل اليوغا وتمارين تاي تشي قد تساهم في تحسين الثبات العصبي العضلي وتقليل احتمالات السقوط لدى كبار السن.
التقدم في العمر يؤدي طبيعيًا إلى فقدان جزء من الكتلة العضلية، خاصة بعد الخمسين، لكن الحركة المنتظمة تبقى من أهم الوسائل التي تساعد على إبطاء هذا التراجع. لذلك لا يشترط أداء تدريبات عنيفة، بل يكفي الحفاظ على نشاط بدني متكرر يتضمن المشي وتمارين القوة الخفيفة عدة مرات أسبوعيًا.
وعند ملاحظة صعوبة متزايدة في الوقوف أو المشي أو فقدان التوازن بصورة متكررة، يصبح من الضروري مراجعة الطبيب لتقييم الحالة وتحديد أسباب الضعف الحركي بدقة.